مقالات مختارة من الصحافة, مواقف الدول الأجنبية, نظام الأسد, تحليلات وتقارير

لماذا السلاح الكيماوي خط أحمر؟ . . بقلم: د.عماد العبار


كاريكاتير الدول الغربية والكيميائي

الفساد الإداري كان دائماً الحالة الطبيعية السائدة داخل إدارات الدولة في ظل حكم نظام الأسد بدون استثناء أي إدارة منها، كانت حالة الفساد هذه معمّمة ومضبوطة ترتقي لأن تكون قانوناً متعارفاً عليه، حيث سيطال العقاب كل من يخرج على هذا القانون، وهذا ما كان يعرفه كل مواطن سوري، فقد كان الناس يتداولون في مجالسهم كيف أن فلاناً الذي استلم منصباً ما، يشهد له تاريخه بالشرف والنزاهة، سرعان ما سيرحل أو تتم محاربته من قبل حيتان الفساد والمال في النظام، وفعلاً هذا ما كان يحدث في جميع الحالات بدون استثناء، فقد يطول مكوث الشخص النزيه قليلاً بحسب الظروف، لكن النتيجة كانت معروفة وحتميّة دوماً، وهي الرحيل، وقد يكون الرحيل مقروناً بفضيحة يُتهم هو نفسه بالفساد وربما يقضي سجناً أو حتى قتلاً في بعض الحالات.

تجاوزٌ آخر لم يكن مسموحاً به داخل منظومة الفساد هذه، وهو أن تخرج بالفساد فوق حدود المسموح، فهناك حدود للفساد يتم التواطؤ عليها بشكل غير معلن ولكنّها مضبوطة ضمن هوامش متفق عليها أيضاً. فحين كان أحد الفاسدين يتجاوز في سرقاته حدود المسموح به ضمن السلطة الممنوحة له أو ضمن الصلاحيات المعروفة لإدارته فإنه سيتعرّض إلى عقاب شديد.

في هذا النظام كما في غيره من الأنظمة، عليك أن لا تكون نزيهاً جداً فيبدو أولياء نعمتك فاسدون أمامك فتكسب تعاطف الناس وتفتح على كبار اللصوص أبواباً هم في غنى عنها، كما أن عليك أن لا تكون أكثر لصوصيّة من اللصوص الكبار فتبدو قدرتك مساوية لقدرتهم، أو تبدو أمام الجماهير وكأن تستطيع إسكات الكبار عن تجاوزاتك، وفي كلّ الحالات تهتز صورة اللصوص ضمن هرميّة اللصوصية فتضيع هيبة المنظومة ككل ويتساقط كبير الأوثان فيها.

إذن من غير المسموح في منظومة الفساد لا أن تكون نزيهاً ولا فاسداً إلى درجة كبيرة، يجب أن تكون الأمور دوماً على الشكل التالي؛ هناك نظام فيه فساد، رأس الهرم يحاول ضبط الأمور ولكن لا يجد عناصر نزيهة تساعده على ضبط الفساد بسبب تأصّل الفساد في نفوس الجميع (المشكلة هنا في الشعب)، في نفس الوقت رأس الهرم هذا هو صمّام الأمان حتى لا يخرج الفساد عن حدوده فيأكل أخضر المجتمع ويابسه، وبالتالي فإنه حتى المفسدون لا يستطيعون تجاوز هرميّتهم لما لرأس الهرم من سطوة وهيمنة فهو الممسك بكل خيوط الحكم بما فيها خيوط الفساد.

لا تختلف أنظمة الاستبداد عن النظام العالمي الذي يحتضن وجودها، ففي النظام العالمي هذا بإمكانك أن تستمر في قتل شعبك لمدّة عامين ونصف بدون توقّف، بإمكانك أن تستخدم السكاكين لذبح الأطفال، وأن تقمع المظاهرات السلميّة وأن تقتل الآلاف تحت التعذيب، وأن تغيّب مئات الآلاف، وأن تدكّ المدن بمختلف أنواع الأسلحة ثم تستخدم البراميل والصواريخ البالستيّة، يمكنك أن تفعل كل ذلك طالما كان بإمكانك استعادة السيطرة وأن تخضع للهيمنة الكبرى، والتبريرات جاهزة هنا فما عليك إلا أن تسلّط الكاميرا على أماكن الإرهاب ثمّ تترك لمخيّلة المشاهد أن تختار الخيار الوحيد الذي ينص على أن الديكتاتور في النهاية يبقى أرحم من جماعات الإرهاب.

لا مشكلة في أن تمارس القتل ضمن منظومة الاستبداد العالمية، تحت السقف المسموح به، من غير المسموح به أن تمارس دوراً وطنباً فتبني مشروعك المعارض للمشروع العالمي (المعولم) سواء كان مشروعاً إسلامياً أو علمانياً لدولة مواطنة حقيقية تحمل مضامين أخلاقية لا تنسجم مع المضامين الأخلاقية للدول الكبرى أو تتضارب مع قيم الاستهلاك والاستلاب المطلوب منك اجترارها حدّ التخمة، كما أنه ليس مسموحاً أيضاً أن تمارس القتل المنفلت فتبدو أكثر سطوة من قياداتك في التسلسل الهرمي للفساد العالمي، أو تبدو معها صاحب مشروع لا يمكن ضبطه أو السيطرة عليه. بإمكانك أن تقتل مئات الآلاف ضمن صراع طويل يمكن تحضير مبرراته، لكن لا يمكنك أن تقتل الكثيرين في فترة قصيرة جداً باستخدام أسلحة يصنعها ويلعب بها الكبار تحديداً، فليس مسموحاً لك أن تبدو وكأنك واحدٌ من هؤلاء.

نعم هناك تأثير لاستخدام الأسلحة الكيماوية على الرأي العام العالمي وهذا يشكل ضغطاً على الدول الكبرى بشكل من الأشكال، لكن المشكلة الحقيقية في استخدام هذه الأسلحة هو أنّك وضعت نفسك في خانة الكبار وهذا هو الأخطر، وهذا ما سيستدعي التأديب الرادع أو النهائي لقاتل صغير حشر نفسه مع أصحاب السبق في هذا المضمار.

في نهاية الحرب العالمية الثانية ألقت الولايات المتحدة قنبلتين على هيروشيما وناغازاكي وسقط من جراء ذلك أكثر من 120 ألف إنسان على الفور معظمهم من المدنيين. كان الهدف القريب للضربة هو فرض الاستسلام على الخصم العنيد، أما الهدف البعيد فهو الإعلان عن بدء عصر جديد من تاريخ البشرية، عصر تحتكر فيه القوّة العظمى العنف والاستبداد والقدرة على الإبادة الشاملة بأسلحة متطوّرة من صنعها، وترعى في نفس الوقت مصالحها من خلال قتلة صغار يلعبون ضمن الهامش الدموي المسموح..

ربما النقطة الأكثر أهمية بالنسبة إلينا، أن ندرك بأن الخطوط الحمراء والتأديب الرادع لحماقة ارتكاب خطيئة السلاح الكيماوي هي تفاصيل لا يربطها بمعاناتنا أي رابط، وطالما أننا متفقون على أنه لا يوجد أي رابط، فمن غير الحكمة أن ننتظر من قوى تنطلق من منطلق لا يتلاقى مع آلامنا ومصالحنا من حيث المنطلق، أن تتلاقى معها في منتصف الطريق أو في نهايته، ومن الوهم أن نتخيّل الردع على هيئة محددة تناسب رغبتنا ثم نعيش صدمة عدم انسجام تفاصيل الواقع مع الصورة المتخيّلة في أذهاننا..

من المفيد ربما أن نعود إلى تذكير أنفسنا حول واقع هذا العالم ومأزقه الأخلاقي، ربما نخرج من حالة الصدمة المستمرة، نفهم أكثر، نعي حدود إمكانياتنا، ونسلّم بأن المشكلة ليست فقط مع نظام الأسد بل مع ما يسمّى بالنظام العالمي الجديد، العدو الحقيقي للتغيير، عندها سنفهم أكثر سبب كل هذه الآلام وأنه لا مفرّ من تقييم القدرات والتنظيم والاعتماد على الذات وإعادة طرح أسئلة الثورة الأولى وإمكانيات تحقيقها، حتى لا تذهب كل التضحيات مع الريح..

د.عماد العبار

المصدر: موقع أورينت نت

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,309,708 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: