مقالات مختارة من الصحافة, نظام الأسد, المعارضة السورية, تحليلات وتقارير

وداعا سايكس بيكو: تقسيم سوريا !!! أم توحيد المنطقة ؟ . . بقلم: د. محمد كمال اللبواني


كاريكاتير تقسيم سورية

الثورات عادة تقوم لأسباب مباشرة و صغيرة ، لكنها تحقق غايات ومتغيرات بعيدة وعميقة ، وثورة الحرية والكرامة لن تسقط فقط النظام السياسي ، بل ستطيح بكامل المستقر في الخريطة السياسية والاقتصادية ، وستعيد بناء الثقافات …  و بعكس ما نراه اليوم من صراع يوحي بتفتت الدول وخاصة سوريا ، فإن نظرة أعمق تبين أن هذا التفتت هو  مقدمة لتغيير شامل في خريطة المنطقة ، ينتهي بتوحيدها بعد اختبار ومسار عسير ، يطيح بما فرض عليها من تقسيم مصطنع وكيانات هشة  ، اكتشفه ملايين اللاجئين الذين لجأوا لدول الجوار ، وأدركوا أن هذه الحدود لا قيمة ولا معنى لها بعد الآن ، ولا تصون شيئا بقدر ما تعيق المنافع المشتركة ، وتحمي الفساد والاستبداد الذي تكرسه الثقافات المغلقة ..

فمشروع التقسيم كمنهج وهدف قائم  في لبنان ثم تبعه العراق والآن جاري في سوريا  التي استطاع النظام بالتعاون مع إيران تحويل ثورتها لحرب طائفية (سنية – شيعية ) ، ودفع بمكونات أخرى للتخوف من الضياع والاضطهاد  ، فالواضح أن دولاً معينة تسعى عمليا لتفتيت سوريا ، وفرض حالة من الفشل التكويني عليها ، ظاهره تحويلها لدولة اتحادية ( باطنه دولة مكونات و محاصصات ونزاع وصراع وحروب معلنة ومستورة ) …  وقد سبق للاستعمار الفرنسي أن قسم سوريا لأربع دول ، ولكن ذلك  لم يعمر طويلا ، لأن العوامل التي تعيق هذا التقسيم  :  جغرافية و تاريخية وسياسية ، وأيديولوجية …. تجعله صعب الحدوث وغير قادر على الاستمرار ، لو حدث بفعل فاعل … لكنه لم يلحظ امكانية قيام كيان كردي في تلك الفترة ، بينما اليوم يستخدم الشعور القومي الكردي المتنامي بسبب التمييز الذي مارسه نظام التعصب والاستبداد ، كبوابة لشرعنة تقسيم سوريا ليس على اساس قومي بل مذهبي ديني ، مما سيكرس حالة من الدولة المغلقة والثقافة المغلقة تحاكي وتشرعن حالة اسرائيل الدولة الدينية العنصرية .

الجغرافيا السورية غير متماثلة .. داخل -ساحل -جبل -صحراء .. كل قسم منها يحتاج لمكملاته الموجودة في القسم الآخر . كما  تغيب الحدود الواضحة بين المكونات أي حدود التقسيم المحتمل ، فالعلويون النصيريون مثلا يتركزون في جبال الساحل ، لكنهم لا يشكلون لوحدهم أغلبية واضحة فيه ، وكذا الكورد في الشمال ، وأقل منهم بكثير المسيحيين ، وإن ظهر استثناء عند الدروز في جبل العرب ، لكن حجمهم يعيق بشدة استقلالهم . واللغة العربية منتشرة في كل المناطق ومستعملة من الجميع . كما لا يوجد تطابق في نوع التقسيم المقترح :  فالقومي غير الديني ، والطائفي لا يتماشى مع القومي وهكذا . ناهيك عن أن كل لون منقسم ومشرذم ، فالسنة تركمان وكرد وعرب وشركس ، والمسيحيون عرب وأرمن وآشوريين سريان ، ولهم كنائس متنوعة ، والعلويون منقسمون لقبائل و يتمايز فيهم المرشديون و عنهم الاسماعيليون ، ويختلفون مع الشيعة الاثنا عشرية    …

على أي أساس إذا ستقوم هذه الدول ؟؟ قومي ديني طائفي أم كلهم معا !!! ، أم أن وحدة الأرض والجغرافيا والمصالح ستبقى هي الجامع والمحدد الأهم لشكل الدولة ومساحتها ، وهي لذلك يجب أن تترشح للاتحادات مع الجوار المتداخل وليس للتقسيم الداخلي .

عبر التاريخ  كان هناك تشابك بين سوريا وجوارها ، وغالبا ما كانت محتلة من جار أكبر ، ولم تشكل لا هي ولا أي قسم منها دولة مستقرة متمايزة لفترة طويلة ، فهي شريط ساحلي وصحراء تمر بها أنهر ، وهي معبر بين القارات الثلاث ، وملتقى للحضارات ، وبالكاد تتمايز هويتها القائمة على التنوع ، والتعدد ، ويشوبها صراعات تخبو وترتفع ، لكن السمة العربية الإسلامية السنية المعتدلة استطاعت حفظت صيغة العيش المشترك ، واستمرت الضامن الحقيقي للتعايش طيلة 14 قرنا ، رغم التوترات والحروب والاحتلالات والغزو المتكرر ، بل بقيت المكونات المختلفة تعيش معا رغم كل الظروف عبر التاريخ الذي تميز بأن دوله كانت من النوع الامبراطوري والديني وليس القومي ، فالدولة القومية مفهوم أوروبي حديث قائم علي تضخيم الشعور القومي لخدمة السوق القومية الرأسمالية الصاعدة وتوحيدها وصيانتها في وجه اجتياح الآخر لها .

سوريا الدولة الحديثة التي تأسست على يد الاستعمار بعد تفكيك الامبراطورية العثمانية ، استطاعت أن تشكل هوية من نوع ما للقاطنين فيها ، وترابط اقتصادي من الصعب تفكيكه ، وخلطت المكونات السكانية بشكل واسع ، و صارت  هي البيت الذي يسكنه السوريون والذي يحنون إليه ، وصار له قيمة معنوية وخصوصية جامعة يمكن الوثوق بها ، ونموذج يمكن تعميمه ليكون أساس الوحدة في الشرق الأوسط . فالشعب السوري سعب سياسي وليس قومي ، يضم قوميات وديانات ، أما خلط مفهوم القوم بالشعب ، وتضييع حدود المفاهيم بين الشعب كمفهوم سياسي وبين القومية كانتماء وهوية ، فهو خطأ مشترك قام به البعث العربي ويقوم به الكرد كرد فعل . فهم كلاهما يستخدمون كلمة شعب وقوم كمترادفات . فالشعب هم القوم والقوم هو الشعب ، تبعا للنظرية الأوربية الفاشية عن الدولة الأمة . الذي نما وطغى في القرن السابع عشر والثامن عشر .

بينما يسير العصر الحديث نحو الاندماج الثقافي و نحو فتح الحدود ، وتشكيل التحالفات الإقليمية ، والدول الاتحادية المبنية على  المصالح ، أما السير عكس التاريخ نحو الدولة القومية ، أو نحو الدولة الدينية أو أدنى من ذلك نحو الدولة الطائفية ،  فسوف يصطدم بالمصالح التي تتخطى الحدود وتقفز فوق الحواجز ، وهي الأقوى في زمن السلم .

لقد خلقت ظروف التمييز والاضطهاد والاستبداد وبعدها ظروف الحرب  والقتل والمعارك  واقعا عسكريا أمنيا شاذا ، وطور أيديولوجيات غريبة عجيبة ….  لكن المهم بأي أيديولوجيا هو وظيفتها وليس مضمونها ، فهي أداة توحيد  لتحقيق غاية ، قد تكون مختلفة تماما عن لون الأيديولوجيا  التي تبقى أهميتها في فعاليتها ، وعادة يتحقق ما هو مختلف تماما عن الشعار المرفوع ، وهذا ينطبق على شعار الوحدة والحرية البعثي ، وشعار دولة العراق والشام ، وشعار القوى الانفصالية جميعا وبنفس الطريقة ، إنما لو عاد السلم ستزول مبررات التطرف والتعصب والانفصال والانقسام( الأمنية القتالية الطارئة التي تعززها المجازر المروعة غير المسبوقة )، لتنهض من جديد المصالح  التي تحطم الحدود والحواجز ، التي تتحقق أفضل بمقدار ما تكون أوسع ، وسرعان ما تتغير الأيديولوجيات ( الشعب الألماني حمل النازية وقاتل تحت لوائها ، وبعد الحرب بأسابيع أصبحت محرمة ومقيتة ) وكذا الماركسية في روسيا اليوم .

وفكرة التقسيم لم تكن مطروحة بتاتا قبل الحرب في سوريا ، إلا في الوسط الكوردي إلى حد ما وبشكل ملطف ، بتأثير الفكر الأوروبي القومي ، والاضطهاد البعثي الشوفيني ، بعكس فكرة الوحدة والتعاون وفتح الحدود ، مع لبنان والأردن والعراق وتركيا والخليج والشراكات العربية والاسلامية والأوربية ، أيضا الشعب السوري يتصف بولعه بالتجارة المعادية بطبعها للحدود والتقسيم وللحروب أيضا … أي أن حالة التقسيم مرتبطة كثيرا بحالة الحرب ، وتوقف الحرب سيبطل جاذبية هذه الفكرة ، وسيضعها مباشرة في مواجهة مصلحة  قطاعات كبيرة تهتم بالإنتاج والمصالح التي تحتاج للوحدة .

حاليا هناك من يسعى لإطالة أمد الصراع بهدف الانهاك ، وتثبيت الجبهات التقسيمية ، ويبطل كل حسم ، محاولا فرض حالة من الانقسام لفترة طويلة من الزمن ، قد تخلق واقعا تقسيميا مستداما من نوع ما ، لكن عدم وقف اطلاق النار ، أو تسريع التطبيع ،  كفيل بخلط‍ الأوراق وتحطيم الحدود من جديد  .

حتى الدولة الدينية التي تحاول القيام في الرقة وحولها ، لها مشروع توحيدي مع العراق وكل الشام بما فيها فلسطين ، والدويلة النصيرية المفترضة لن تجد نفسها من دون الهلال الشيعي ومن دون تحالف أقلوي ، ، ومن دون امتداد نحو لبنان والعراق ، أو احتلال روسي، أما الكورد فهم لا يسعون للانفصال إلا لتشكيل حلمهم القومي الموحد العابر لأربع دول وهم عندما يضخمون في عددهم وحدودهم يسعون عمليا لحكم المنطقة وليس لتقسيمها . مما يعني أن المنطقة تتجه فعلا نحو التوحد والاندماج ، وليس التقسيم ليبقى البحث عن هوية هذا التوحد ، تحت هيمنة عنصرية واستبداد  عربي تركماني فارسي ، أو حتى كردي ، أم على قاعدة الشراكة … لكن ذلك يحتاج لتجاوز حالة الصراع ، إلى حالة التوافق والتشارك ، وهذا يتطلب العدالة والانفتاح العقلي والاصلاح الديني ، والديمقراطية التي هي فعلا تجعل المختلف يتعايش سلميا ويتعاون ، ولذلك نقول أن المزيد من الديمقراطية هو مزيد من الوحدة ومن السلم الأهلي ، وأن الدولة الاتحادية الكبيرة في المنطقة هي الوعاء الذي تحل به القضية العربية والكوردية والفلسطينية وغيرها من القضايا وما أكثرها ..

وأخيرا لا بد من شعار  ترفعه المعارضة بوضوح ، و تقاتل الأغلبية من أجله :  التقسيم يعني الحرب المستمرة ، وسيادة حالة ما من دولة العصابة الرهينة ..  و الوحدة ضمن الدولة المدنية  التي تحترم حقوق الانسان ،هو الشكل الوحيد للسلم والحضارة .

ودمتم .

د. محمد كمال اللبواني

 عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني ،

المصدر: موقع كلنا شركاء

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,314,967 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: