تحليلات وتقارير

مفهوم الابتلاء بعيداً عن اللاهوتية الدارجة .. بقلم: أحمد خيري العمري


قصف

وصلتني رسالة حائرة ، لكن حيرتها ذكية جدا ، ومنطقية جدا ، ومحقة جدا..
مضمون الحيرة ، دون تفاصيل ، تمس ذلك الجواب الذي يتداوله بعض المشايخ للرد على ما يحدث من فظائع وأهوال ، الناس تلجأ إلى الدين لكي يفسر ما يحدث ويمنح بعضا من الطمأنينة واليقين ، لكن بعض الأجوبة الارتجالية من حضرات السادة المشايخ تزيد الطين بلة وتجعل من الحيرة ضياعا..
صاحبنا هنا ، أو صاحب صاحبنا في الحقيقة ، صدمه أن يكون جواب المشايخ تفسيرا لما يدور ، هو “إذا أحب الله عبدا ابتلاه..الخ”.
يقول : هذا هو الجواب الوحيد الذي يعرفه الشيخ عندما يرى أنك قد انتهيت وخسرت كل شيء…!
يتساءل لم خص الله هذه الملايين فقط بكل هذا الحب دونا عن مليارات البشر ؟ ويتساءل لم يحبنا الله وقد اقترفنا في حياتنا ما يخجل أن يكتب ؟ -هكذا قال ، ثم أكمل أنه لو قال هذا للشيخ لرد عليه فورا أن هذا إذن تكفير للذنوب…
يرد صاحب صاحبنا مرة أخرى : لا بد للشيخ أن يربط الأمور غير المفهومة بشيء “لاهوتي”-التعبير له – غير محسوس كي لا تبحث عن المنطق فيما يدور.
*******
حسنا ، الرجل معه حق.
جزئيا على الأقل ، ولكن بجزء كبير جدا.
المشايخ يسرفون في استخدام ما ذكره ، الابتلاء وتكفير الذنوب صحيحان ولكن ضمن سياق منظومة متكاملة أعم وأشمل ، دون استخدام هذه المنظومة ، سيبدو الأمر غير مفهوما أو “لاهوتيا” -كما قال الأخ .
هناك أولا هذه الملاحظة التي تتكرر كثيرا ، عن أنه لم يتعرض شعب في العالم لهذا من قبل ، وهي ملاحظة مقبولة في سياقات “عامية” عابرة ، لكن أخشى أنها تحمل نوعا من
الانغلاق ، وأجزم أنها تحمل نوعا من التجهيل عندما تنطق بلسان من يفترض
أنهم النخب..بعض الشعوب المجاورة “للبلد الذي يتحدث منه صاحبنا” في المنطقة مرت بمآسي مشابهة (أنتمي شخصيا لواحد من البلدان المجاورة)، القول بأن هذا لم يحدث من قبل ، يقول ضمنا أننا لا نقرأ الحاضر وإرهاصاته حتى لو كان جارا لنا ، نعم التوثيق وسهولته حاليا قد تجعل الأمور تبدو كما لو أنها لم تحدث من قبل ، لكن الناس يعانون قبل اليوتيوب والفيس بوك أيضا ، وعدم وجود التوثيق المركز لمعاناة الشعوب الأخرى لن يغير من حقيقة أن هذه الأمور قد حدثت من قبل ، قد تختلف الشدة نعم ، لكن درجة أو درجتين على مقياس ريختر لن تفرق كثيرا في النهاية..
ليس هذا فقط ، بل الحديث عن المليارات الأخرى التي لا يحبها الله لأنهم لم يبتليها (الشيخ لم يقل ذلك بصراحة لكن هذا كان ما فهمه صاحبنا) هذا الحديث يعكس جهلا بتاريخ الأمم ،بتاريخ العالم والإنسانية ، بالسنن التي أمرنا الله أن نسير في الأرض لنراها ، فهمنا التاريخ على أنه معرفة العام الذي انتصر فيه نابليون بونابرت أو السنة التي مات أو هزم فيها أو السنة التي بدأت فيها الحرب العالمية ، لقد أعطونا ذلك على شكل حقن ! ، لكن التاريخ ليس أرقاما تحفظ كي ننساها بعد الامتحان أو كي نشارك في مسابقات التلفاز دون الرجوع إلى محرك البحث غوغل..
التاريخ هو فهم تلك السنن التي حركته وتحركه ـ هذا ما يجب أن نحقن به كي نمتلك المناعة التي تؤهلنا لبناء المستقبل …حركة التاريخ كانت تحتاج دوما إلى تضحيات ، والتضحيات هذه لم تمر دون مآس وكوراث ونكبات للمجتمعات التي تبدو اليوم سعيدة ومستقرة وآمنة ، لم تصل لما يبدو أنه كذلك دون المرور بما هو مشابه جدا لما تمر به بعض الشعوب اليوم ، لكن لم يكن هناك يوتيوب في القرن السابع عشر ، ولا حتى في القرن العشرين عندما قتل أكثر من أربعين مليونا في حرب واحدة شملت ثلاث قارات من قارات العالم… هذه الشعوب التي مرت بما مرت به لم تفعل ذلك نيابة عن البشرية جمعاء ، أي أن دورنا لم يسقط لمجرد مرور شعوب أخرى بما مرت به ، ولكنها أدت دورها عن أجيالها اللاحقة فحسب ، ومن ضمن تلك الأجيال ، الشعوب التي نقول عنها آمنة ومستقرة حاليا….
إذن ، الحديث عن الابتلاء المخصوص ليس صحيحا بالمطلق ، لكن هذا ليس كل شيء في الأمر..مشكلة الفهم التقليدي لموضوع الابتلاء أعمق وأكثر إشكالية..الحديث عن الابتلاء يتعامل مع الحقائق على الأرض كما لو كان الابتلاء زلزالا ، كما لو كان كارثة “طبيعية” ، كما لو كان إعصارا ، لا يمكن مواجهته بغير الصبر والتحمل ، وفي أحسن الأحوال ، المشاركة في الإغاثة..لا أقلل هنا أبدا من جهود الإغاثة أو العاملين فيها ، فما يحدث يتطلب الإغاثة وأكثر ـ لكن المنطق الذي يروج به لمفهوم الابتلاء ، يجعل الإغاثة هي العمل الوحيد ، بينما هي جزء ، كما الابتلاء جزء من منظومة أشمل ،منظومة يجب فهمها على نحو أعمق لا لكي نرد على اسئلة الحيارى فحسب ، بل لكي نتجاوز الابتلاء على النحو الذي يجعل الأجيال اللاحقة تنعم بثمراته…
فلنمسح ما في أذهاننا عن الابتلاء بالصورة التقليدية ، الصبر والتحمل لأن الله يحبنا ، فلنفهمه من جديد ، وبعدها نعيد تركيب المنظومة على هذا الأساس ، الحديث الصحيح يقول ” أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب ( و في
رواية : قدر ) دينه ، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه و إن كان في دينه رقة ابتلي
على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه ” خطيئة (السلسلة الصحيحة 143) إذن الأنبياء هنا هم أصحاب المثل الأعلى في الابتلاء ، هل يشبه هذا الفهم التقليدي في شيء ؟ هل ندور في حلقة مفرغة ؟ فقط لو تسرعنا في الحكم ، لكن الحقيقة أن الابتلاء هنا كان على قدر مهمة الأنبياء ، مهمتهم في تغيير هذا العالم ، في بنائه من جديد على أسس وقواعد صحيحة ، من الطبيعي جدا أن يمتحنوا أثناء هذا ، ومن الطبيعي أن يكون جهد غير طبيعي في خضم ذلك ، في خضم تدوير عجلة التاريخ ، لا ، ليس تدويرها فحسب ، بل تدويرها على الطريق الصحيح ، وتعبيده أيضا…هل صبر الأنبياء خلال ذلك؟ بالتأكيد. لكنه ليس الصبر “كبسولة التحمل” الذي تعودنا عليها ثلاث مرات كل يوم ، مع كل وجبة ، بل صبر “أولي العزم” ، العزم الذي يحرك التاريخ ، الصبر الفاعل الإيجابي ، صبر العاملين أثناء عملهم ، صبر الفاعلين ، لا صبر المفعول بهم…
هي منظومة متكاملة ، منظومة مفاهيم ، يجب أن عيد النظر فيها ونعيد تركيبها على نحو مترابط لا يجعل الأمور تبدو غير مفهومة أو لاهوتية كما قال الأخ (أركز على التعبير الذي استخدمه لأنه يتضمن أبعادا مهمة ، فهو يتعامل مع المؤسسة التقليدية كما لو كانت كنيسة “القرون الوسطى” بطريقة ما ، وهو محق في ذلك إلى حد كبير)..
الأمر هو أننا عندما نصر على التعامل مع الابتلاء والتكفير عن الذنب باعتبارهما الجواب عما يحدث ، دون ربطهما بمنظومة أعمق ، هي المنظومة الأصل ، فأننا لا نقوم بزيادة حيرة الحيارى فحسب ، بل نعمل ضمنا على بقاء الأوضاع كما هي ، على الرسوب في امتحان الابتلاء ،..
بالمناسبة ، حديث “إذا أحب الله عبدا ابتلاه” رغم شهرته ، حديث ضعيف بهذه الصيغة ، لكنه صحيح المعنى ، وصيغته الصحيحة هي ” إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، و إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله
الرضا ، و من سخط فله السخط ” (السلسلة الصحيحة 146) وهي صيغة جماعية ، بينما الحديث المشتهر له صيغة فردية ، والحديث الصحيح بصيغته الجماعية أقرب حتما للمفهوم الأبعد لعملية الابتلاء كجزء من المساهمة في عملية تغيير المجتمعات ، علما أن الصيغة الفردية تصح ضمنا لأن حديث “أشد الناس ابتلاء الأنبياء فالأمثل” يتضمن الصيغة الفردية ايضا..
ولأن المجتمعات ، في النهاية ، تتكون من أفراد !

أحمد خيري العمري

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,312,637 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: