مقالات مختارة من الصحافة, مواقف الدول الأجنبية, مواقف الدول العربية, نظام الأسد, تحليلات وتقارير

قد نسامح.. ولكن لن ننسى! . . بقلم: د. يحيى العريضي


د. يحيى العريضي

د. يحيى العريضي

الطبيعي أن تتعاطف شعوب العالم مع الشعب السوري وتقف إلى جانبه في محنته ومقاومته للظلم والاضطهاد، وترفض تعرضه للمجازر إلى درجة التدخل الفعلي لنجدته وتخليصه من براثن القتل الجماعي؛ لكن ما حدث فعلاً كان مفاجئاً لكثير من المراقبين والمحللين. يمكن للمرء أن يفهم أو يتفهم موقف السلطات القائمة على حكم تلك الشعوب التي تقاعست عن نجدة الشعب السوري؛ ولكن أن يُخذَلَ شعب سورية إلى هذه الدرجة، فهذا الذي لم يكن متوقعاً أو متخَيَّلاً!

تلك الشعوب إما مغلوبة على امرها ولا رأي ولا وزن لها، وتتعرض إلى ممارسات دكتاتورية خفية أو علنية؛ أو أنها مضللة لدرجة لا تمكّنها من تمييز الخيط الأسود من الأبيض؛ أو أن حالها مزيج من الأمرين معاً.

غير مقبول أو معقول أن يعرف أو يرى إنسان أخاه الإنسان في مكان ما يتعرّض إلى الإبادة إلا ويخرج مطالباً برفع الحيف والظلم عنه. مع ذلك، ألا تفعل تلك الشعوب شيئاً ربما يكون محمولاً، ولكن أن يجري استفتاء أو استطلاع للرأي العام وتكون النتيجة ليست في صالح رفع الظلم عن ذلك الشعب الذي يُقتَل وتُرْتَكب المجازر بحقه، فهذا ليس فقط مثيراً للدهشة بل منافياً لما يسود من شعارات لنصرة الانسانية ومعاكساً حتى للطبيعة البشرية.

لم تكن استطلاعات الراي في أمريكا واوربا وأمكنة أخرى في صالح محاسبة ومعاقبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في سوريا إثر استخدام السلاح الكيماوي في المجزرة الأخيرة في ريف دمشق. فما الذي جرى ويجري فعلاً ؟ إن مقاربة هذه المسألة تستلزم سلسلة أخرى من الأسئلة تسعى هذه الورقة الإجابة عنها:

• هل كانت القيادة الأمريكية والقيادات الأخرى التي عبرت عن تحالفها معها جادة فعلاً فيما اعلنت عنه؟
• هل تلك الشعوب التي تم استطلاع آرائها هي من عرقل قيام القيادات بما يتوجب عليها القيام به من نزع لآلة القتل ووقف للإجرام وتعطيل فعالية المرتكب؟
• هل كان السر في سلبية تلك المجالس البرلمانية؟
• وما الذي ولّد تلك السلبية الشعبية والبرلمانية؟

لا بد ها هنا من تقديم جملة من الإيضاحات للمسائل التي طُرحَت أعلاه تتمثل بقوة دعاية المرتكب وتشويهه لحقائق ما جرى ويجري في سوريا، وغياب أو تغييب تلك الجرائم عن الآخرين لفترة طويلة، إضافة إلى ضعف رسالة الضحية أو من يدعي تمثيلها ؛ زد على ذلك الترابط المصلحي بين آلة الإعلام العالمية التي تم شراؤها أو تغيبها أو تشويهها للحقائق من جهة، والساسة وهواجسهم الانتخابية الأنانية من جهة أخرى، والمرتكب الذي لا يعنيه إلا بقائه من جهة ثالثة.

بخصوص جدية الإدارة الأمريكية، واضح أن الرئيس أوباما ما كان ليضع مصداقيته على المحك لو لم يكن جاداً بما نوى عليه. وإن افترضنا عدم جديته وتردده وبحثه عن ذرائع ومبررات تنقذه مما تورط به، فإنه علينا التأكّد من أن القرار الأمريكي ليس قراراً فردياً بل قرار إدارة أجمعت على ردع المرتكب وإضعاف قدرته على تكرار جرائمه؛ ومن هنا قول بعض أعضاء الإدارة وتحديداً أوباما على أن سمعة ومصداقية الولايات المتحدة على المحك (بواطن كلام اوباما في الأمم المتحدة حملت دلالات ذلك).

في ذلك المفصل بالذات أتى صوت الكونغرس الذي يمثل افتراضياً صوت الشعب الأمريكي… أتى مرفقاً ببعض استطلاعات الرأي العام؛ وكانا سلبيين تجاه ما تزمع الإدارة القيام به. وهكذا كان الحال في برلمانات الدول المتحالفة. ترافق كل ذلك مع حملة علاقات عامة لا بد وأنها كلّفت الملايين. عندها بالذات لا بد وأن صفقة ما قد تمت على أعلى المستويات. لقد استطاعت المافيا الروسية المكلّفة عالميا بحماية القتل في سوريا بإحداث خرق تمثل بالخروج بفتوى يسلّم النظام السوري بموجبها أسلحته الكيماوية- أداة جريمة الغوطة الشرقية- وبذا يتم سحب صاعق معاقبة مرتكبي الجريمة من خلال تحويل السبعة أيام للحصول على موافقة المرتكب المرتعد على الصفقة إلى سبع دقائق ؛ وكان كل ذلك على حساب الشعب السوري. عندها لا بد وأن الكبار المتآمرين قد تنفسوا الصعداء، ولا بد وأن الضحايا قد اختنقوا ثانية ….. واستمر قتل شعب لا يعبأ له أحد.

لم تكن تلك الشعوب الغربية هي التي عرقلت عقاب المجرمين بإرادتها أو بصوتها؛ ولكن السياسيين هم من وضعوا تلك الشعوب في ممرات إجبارية عبر مصافقات وتآمر بين كفلاء ورعاة القتلة واستناداً إلى رُخْص ونذالة مرتكبٍ قابل لبيع كل شيء مقابل النجاة من العقاب والبقاء في السلطة. كانت المؤامرة الأساس في المرافعات المضلَلة والمضلٍلة التي تقدّم بها أعضاء غابت أو غُيّبَت عنهم حقائق الأمور فنتج ذلك الموقف السلبي الذي دفع ثمنه الشعب الذي يمثله ذلك النائب لأنه لم يكن أميناً لمن تعهّد أن يكون صوته. أما الشعب السوري فقد فَقَدَ بذلك أي ناصر أو متفهم لحقيقة الظلم والدمار الذي يقع عليه.

وإذا ما انتقلنا إلى البيئة الحاضنة للسلبية البرلمانية والشعبية الخارجية، فلا بد من النظر بتجاوز النظام السوري وبسرعة لتلك الصدمة الإعلامية والسياسية التي واجهته خلال الفترة الزمنية الأولى من الحراك السوري حيث أدرك على الفور ان قضية الشعب الذي يقاومه لا بد من تشويهها ؛ وكان ذلك عبر خلق عدو يعاديه العالم ويقف منه موقفاً سلبياً؛ فعمل بسرعة مذهلة على تصنيع إرهاب يقاومه؛ فكانت فبركة “جبهة النصرة” وتبع ذلك “دولة العراق والشام” حيث صنّفت أمريكا الأولى منهما بالمنظمة الإرهابية بعد إسبوع على إعلانها. لم يظهر فعل النظام في الإعلام المحلي بقدر ما ظهرفي الرسالة الإعلامية الخارجية، والتي لا بد وأن مئات الملايين من الدولارات قد صُرفت وقُدّمَت لمؤسسات إعلامية خارجية سوّقت ما يريده من تضليل وتشويه لحقائق ما يدور في سوريا؛ وخاصة انه صُوّر كـ “نظام يقاوم الإرهاب”.

وما كنّا نراه او نسمعه في الإعلام المحلي مغاير تماماً للرسالة الإعلامية التي كانت تغزو المجتمع الغربي المؤثر في تصنيف ما يدور في سوريا واتخاذ موقف تجاهه. إن صورة ذلك الرأس المقطوع بيد أحد المجرمين وذلك القلب المستأصَل من مكانه بيد مجرم آخر قد برمجت وتوّهت ملايين الرؤوس والقلوب تجاه ما يدور فعلاً في سوريا.

لقد تم اختصار مايُرتكب من تدمير للبشر والحجر في سوريا بهاتين الصورتين إلى درجة انهما اصبحتا لازمة عند السيد بوتين في كل مرة يأتي ذكر المسألة السورية….( فالنظام الذي يدعمه يقاوم هؤلاء المتوحشين)؛ لقد كانت مفاعيل تلك الرسائل أشد وقعاً من المجازر التي يرتكبها النظام والتي لا تصل أخبارها إلا لماماً. لقد حالت مؤسسات علاقات عامة، تلقت ملايين الدولارات، دون وصول الحقيقة إلى المجتمع الدولي.

كان مصير حقيقة مايحدث في سوريا من ارتكابات إما التغييب أو الاجتزاء أو التشويه. شهور كانت تمر دون أن يرى أو يسمع الأمريكي خبراً عن سوريا. وفجأة بعد مجزرة الكيماوي أرادت إدارة أوباما بأربع وعشرين ساعة أن تقرأ له موسوعة الجرائم التي تم ارتكابها من قبل النظام؛ بعد أن كان قد بُرمج بطريقة أخرى.

من جانب آخر، كانت رسالة من نطقوا باسم الثورة السورية او المعارضة قاصرة وركيكة ومليئة بالشكوى والتذمر والسخط واللوم التي لم يكن الإنسان الغربي، المشغول بهمومه وهواجسه، مغرما بها كاستراتيجيات تخاطبية. قليلة هي الرسائل المؤثرة التي تصيب موقعاً مؤثراً في ذهن المتلقي إقليمياً كان أم أجنبياً. لقد كان الفعل الإعلامي للمعارضة أو الثورة مبعثرا ومشتتاً؛ فلا هو في الصميم؛ ولا يُسمَح له بالوصول إن كان هكذا. أما المؤسسة الإعلامية الأمنية للنظام فقد وجدت تلك المحافل الإعلامية وشركات العلاقات العامة؛ التي تتوافق مصالحها مع المحافل الصهيونية وإسرائيل- التي طمحت منذ بداية الحراك السوري إلى أحد أمرين ؛ إما بقاء النظام أو تحوّل سوريا إلى حالة كسيحة لا تقوم لها قائمة لعقود- وارتبطت معها بتحالف غيرمقدس مدفوع الثمن عمل على حجب واجتزاء وتشويه حقيقة ما يحدث في سوريا.

إن أهم ما ركّزت عليه الرسائل الإعلامية الخادمة للنظام والمشوّهة لمن يعارضه ويثور عليه هو غياب البديل للنظام؛ مَن يعارضه صُوّر بكل أشكال السلبية: تفكك، غياب، فساد، ضعف رؤية ، أنانية , وجشع، وفراغ سياسي. الأخطر من ذلك ان الصورة التي قُدّمَت للعالم هي خيار بين ” نظام علماني” و”إرهابيين متعصبين” دون ذكر للشعب السوري وما فيه من طاقات وتميّز ومدنية.

أخيراً، يصعب توقع من لا إرادة له ومن تُمارَس عليه كل أساليب تشويه حقائق ما يجري في عالمنا، أو حتى إخفاء تلك الحقائق أن يتخذ موقفا مساندا أو حتى متفهماً، للظلم الذي يقع على أخيه الإنسان في زاوية أخرى من زوايا المعمورة. في هذه البيئة التشويهية لم يكتف الظلم بآلة الضخ الإعلامي المتحالف مع الظلم، بل زاد عليها أكداساً من الكذب والتزييف شنها رئيس العصابة المافيوية الروسية في رسالة وجهها للشعب الأمريكي عبر واحدة من أهم الوسائل الإعلامية الأمريكية (النيويورك تايمز).

موقف الصمت والسلبية البرلمانية والشعبية الغربية لا تعفي شعوب تلك البلاد من الخزي التاريخي الذي لا بد وأن يستفيقوا ويجدوا أنفسهم وقد ارتكبوا ذنبا ما فعلوه بأيديهم بل بموقفهم تجاه شعب سوري يُذبح لمدة تزيد على الثلاثين شهرا أمام أعينهم الجاحظة ببلاهة وقلوبهم وأرواحهم وعقولهم المغلقَة بسذاجة. لن يشفع لهم كونهم أيضا ضحية تضليل مُورس عليهم من قبل آلة إعلام بلدهم وأموال وتواطئ المشتركين بالجريمة ومرتكبيها. لا ندري غن كانت عبارة سوزان رايس قد خرجت من عقلها وقلبها عندما قالت: “إن ما يحدث في سوريا وصمة عار على جبين البشرية”

قد يكون للباطل جولات لا جولة، ولكن رغم كل ما حدث ، الشعب السوري منتصر؛ قد يسامح؛ ولكن لن ينسى.

د. يحيى العريضي – عميد كلية الإعلام في جامعة دمشق المنشق عن النظام السوري.

المصدر: موقع أورينت نت

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,305,859 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: