قصص من أحداث الثورة, تحليلات وتقارير

«أبو باسم» نازح في دمشق سُجن وعُذب…لأنه يبيع الخبز


خبز

في الشتاء الماضي فرّ أبو باسم مع زوجته وأطفاله الأربعة من القتال الشرس الدائر في الأحياء الواقعة جنوب شرق دمشق ولجأوا الى منزل شقيقته في الطرف الآخر من العاصمة السورية. وبعد سبعة أشهر، لا تزال الاسرة السنّية تختبىء في منزل في حي اللوان على الاطراف الجنوبية الغربية للمدينة، بعدما رفضت السلطات منح أبو باسم تصريحاً للإقامة بالحي.

انها المحنة نفسها لكثير من السوريين ممن قدموا من مناطق لا تخضع لسيطرة الحكومة، إذ غالباً ما ترتاب الحكومة في تعاطفهم مع المعارضة. ويمكن استخلاص هذه الحقيقة من بطاقات هويتهم.

ويجري عند نقاط التفتيش ايقاف هؤلاء من دون غيرهم واستجوابهم، وفي بعض الأحيان اعتقالهم أشهر عدة من دون اتهام وتعذيبهم، بحسب ما روى أبو باسم من واقع تجربته الشخصية.

ويعجز هؤلاء عن تحمل كلفة الإيجارات الباهظة للمنازل في وسط دمشق الذي لا يزال من أكثر المناطق أمناً في العاصمة والمحافظات المحيطة بها فيلجأون الى ضواحي دمشق. لكن ثمة اتجاهاً متزايداً لإبعادهم عن المناطق التي تعتبرها الحكومة مهددة من بينها احياء مثل اللوان الواقع على اطراف البساتين التي تستخدم في بعص الاحيان غطاء للمعارضة التي تقاتل ضد الرئيس السوري بشار الأسد. وقطعت السلطات عدداً كبيراً من أشجار الفاكهة في العام الماضي، غير أن القيود لم ترفع.

وقال أبو باسم، الذي رفض نشر اسمه بالكامل خشية انتقام السلطات، إن مسلحين عند نقطة تفتيش تابعة للقوات الحكومية قرب منزله الجديد ابلغوه ان عليه ان يستخرج تصريحاً رسمياً للإقامة في المنطقة. وأضاف: «ارتبكت وسألتهم: أي تصريح اقامة؟ لماذا احتاجه وانا مواطن سوري اقيم في بلدي؟».

وتفرض القيود الصارمة على الاحياء الافقر مثل اللوان على اطراف المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وامتدت القيود الى بعض الاحياء الراقية مثل مشروع دمر الخاضع لسيطرة الحكومة، وهو قريب من جبل قاسيون المطل على شمال دمشق قرب منطقة شديدة الحراسة يقيم بها كبار العسكريين ومعظمهم من الأقلية العلوية التي ينتمي إليها الأسد.

وقبل أشهر قليلة، اعتقلت السلطات عدداً من سماسرة العقارات في الحي الذي يقطنه مواطنون من الطبقة المتوسطة من مختلف الطوائف يومين أو ثلاثة للتأكيد على فرض الحصول على تصريح اقامة للمسئجرين الجدد.

وبعد الافراج عن السماسرة أبلغوا اصحاب المنازل في مشروع دمر بحظر تأجير عقاراتهم للوافدين على المنطقة، أي استبعاد كل من يفر من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.

ولا توجد لوائح او تصريحات علنية تفرض مثل هذه القيود ما يجعل من الصعب تحديد عدد من تسري عليهم أو إذا كان المسؤولون يخصون طائفة بعينها. ويقول سكان المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في دمشق ومعظمهم من السنّة، انهم يواجهون أشد المصاعب وغالباً ما يستهدفون عند نقاط التفتيش. وذكر نازحون من حي البرزة، احد معاقل المعارضة في شمال العاصمة، ان مناطق اخرى في العاصمة لاسيما الشبان منهم انهم يتحاشون الخروج من منازلهم الجديدة خشية المرور على نقاط تفتيش ما يعرضهم لمشاكل. ويضيفون انهم يأملون في العودة الى ديارهم في يوم ما حتي وإن كان كومة من الانقاض حين تضع الحرب اوزارها بعدما اودت الى الآن بأكثر من 110 الاف قتيل ونحو مليوني لاجئ في دول الجوار واربعة ملايين نازح داخل البلاد.

ابو باسم الذي يقول أنه في اوائل الاربعينات من العمر، ان مشكلة السكن ليست سوى أحدث فصول معاناته التي بدأت قبل عام. فقد امضى أربعة أشهر ونصف الشهر في سجن في قبو في أحد مباني الاستخبارات بعد احتجازه عند نقطة تفتيش واتهامه بمساعدة المعارضة وامدادها بالخبز. والاتهام شائع وغالباً ما يوجه الى أي مسافر يحمل مواد غذائية اذا كان قريباً من مناطق المعارضة او يحمل بطاقة هوية تبين انتمائه لأحد معاقل المعارضة.

ويقدر نشطاء ان آلاف المدنيين يقبعون في سجون تحت الأرض في أنحاء متفرقة في دمشق حيث يحتجزون الى أجل غير مسمى. وقال أبو باسم انه حمّل شاحنته الصغيرة بالخبز الطازج بالفعل بنية بيعه لمن يرغب في تفادي الصفوف الطويلة مقابل سعر أعلى. كان يريد ان يكسب قوت يومه بعدما فشل منذ أشهر في العمل في مهنته كمشرف على الاعمال الانشائية بسبب تعثر الاقتصاد. لكن اتضح أنها وسيلة خطيرة لكسب المال. ويقول ان يديه لا تزالان ترتعدان نتيجة احتجازه. يقول عن ظروف اعتقاله: «كانت الارضية شديدة القذارة، باردة ورطبة. نام البعض عليها وبدا الجميع مرضى. لم اتعاف بالكامل منذ ذلك الحين».

وكشف عن ساقيه حيث تظهر بقع باللونين الازرق والأحمر تحت جلده. وحين سئل عن سبب تغير لون الجلد هز رأسه وأجاب بصوت خفيض «التعذيب».

احتاج ابو باسم قدراً كبيراً من الشجاعة لتنفيذ مطلب المسلحين عند نقطة التفتيش بالتوجه الى اقرب مكتب استخبارات للحصول على تصريح اقامة بل تجرأ واحتج حين رفض ضابط قبول طلبه. واضاف: «قلت له: ماذا أفعل ؟ تقول نقطة التفتيش انه ينبغي ان أحصل على تصريح وانت وحدك الذي يمكن ان يعطيني اياه. قلت له ان شقيقي وأحد اقاربي قتلا وهما يخدمان في الجيش السوري في الحرب الدائرة الآن. ابلغته انني اضطررت للفرار من منزلي. لماذا لا يساعدني احد». وتابع: «رأيت الغضب يطل من عينيه وتقدم نحوي وامسك بخناقي. ثم ركلني واخذ بطاقة هويتي وامرني بالجلوس على الأرض والانتظار».

وقال ابو باسم انه انتظر اكثر من ساعة ونصف الساعة، مضيفاً: «شعرت بالضيق وأوعز لي شيطاني ان اهاجم احد الحرس واستولي علي بندقيته واقتلهم جميعا. لكن صبرت الى حين عودة الضابط ورد لي بطاقة هويتي وهرعت إلى المنزل».

واليوم مثل سائر الايام منذ ذلك الحين، يستيقظ من نومه مبكراً ويختلس النظر إلى الشارع على أمل الا يري نقطة التفتيش كي يستطيع الخروج وكسب المال من اي عمل بسيط لكن اذا كانت نقطة التفتيس قائمة في مكانها يعود ادراجه لمنزله ويستغني عن أجر اليوم. وقال: «لذا أحياناً نجد ما نأكله. واحياناً أخرى لا نتذوق طعم الاكل».

 

المصدر: الحياة اللندنية

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,300,701 مشاهدة

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: