مقالات مختارة من الصحافة, نظام الأسد, المعارضة السورية, الجيش السوري الحر, تحليلات وتقارير

غزوة الكنائس وحكم “أهل الذمة”؟! . . بقلم: أحمد أبازيد


أحمد أبازيد

أحمد أبازيد

أثير الكثير من اللغط عن مسألة التعدّي على الكنيستين في الرقّة والاستشهاد من قبل أنصار دولة العراق و الشام بفتاوى لتبرير هذا الفعل المشين, و إن كان لا فائدة علميّة تُرجى من الردّ على هذا الكلام التبريري الذي يسبغ نفسه بلبوس شرعي, لأنّ مناقشة أحكام أهل الذمة خارج نطاق المسألة, ولكن يجب التوضيح حتى لا يبقى السؤال معلّقاً:

أوّلاً: لا ينطبق وصف أهل الذمّة على المسيحيين في بلادنا الآن, لأنّ وصف أهل الذمّة تابع لتركيبة الدولة الإسلامية الأولى وكونها معرّفة بالدين لا بالجغرافيا, هذه الدولة غير متوفرة الآن في دول قائمة على الجغرافيا– ما دامت كذلك حتى الآن- ولذلك وصف أهل الذمّة منفيّ بحكم كونه يصف واقعاً تاريخيّاً وهذا الكلام تحدث فيه معظم من كتب في الفقه السياسي حديثاً.

ثانياً: لو افترضنا أنّ هؤلاء أهل ذمّة حقّاً فأحكام الذمّة في الإسلام تقتصر على كونهم يدفعون ضريبة اقتصادية اسمها الجزية ليكونوا مشاركين قانونيّاً في الدولة ويكون لهم حقوق وعليهم واجبات نتيجة ذلك, حماية أهل الذمّة كانت من واجبات الجيش الإسلامي, مع التأكيد أنّ من البدهيّ أنّ دولة هويّتها ومشروعها هو الإسلام لن تكون مشاركة غير المنتمين لهذه الفكرة المؤسّسة فيها طبيعيّة وهذا ينطبق على أيّ دولة تنبني على مشروع عقديّ أو قيميّ في التاريخ, ورغم ذلك يعرف كلّ من قرأ التاريخ حجم هذه المشاركة التي كانت تصل أحياناً إلى مرتبة الوزارة- وقد تكلّم الماوردي عن جواز تولّي المسيحيّ أو اليهوديّ الوزارة التنفيذيّة- مع ما شاب هذه العلاقة أحياناً من أخوّة فعلاً في وجه الأعداء أو من تحالف مؤسف مع الغزاوت الاستعمارية على المسلمين دون الادعاء الساذج لمثالية التاريخ والتعايش الدائم, و لو تتبعنا حديث المؤرّخين عن مذابح المغول أو فتنة بابك الخرّمي مثلاً سنجد أنّهم كانوا يذكرون أنّ أعداد الضحايا كذا وكذا من المسلمين وأهل الذمّة, وأحكام نقض البيع المحدثة بعد الإسلام هي من الاجتهادي لا القطعيّ أي أنّها تابعة للمصلحة المحكومة بزمنها وليس من القطعيّ المحكم العابر للأزمنة كالعبادات, وحين يجرّ هذا هذا النقض نقضاً لصورة الإسلام وتمكّنه في البلاد معه فمن الفساد في الفهم والقياس التفكيرُ فيه.

ثالثاً: وهو الأهمّ لو افترضنا أنّ هؤلاء أهل ذمّة وأنّ الكنائس يجب أن تُنقض, فتطبيق هذا حكماً هو من مهمّة الدولة الإسلاميّة الشرعيّة والمجمع عليها من أهل الحل والعقد والتي تمتلك الشوكة الضامنة للاستقرار- وهو مصطلح مقابل للشرعيّة الشعبيّة حاليّاً وهذا بحث منفصل- وهذا كلّه لا ينطبق على دولة لديها خلافات تصل أحياناً حدّ الاقتتال مع معظم القوى العسكريّة وحتى الحركات الإسلامية والجهادية الأخرى، والتي تفوقها عدداً وانتشاراً وحكماً على الأرض, أي أنّها دولة لم يخترها أهل الحلّ والعقد المخالفون في معظمهم لها, ولم يرض عنها المسلمون الذين تتحقّق بهم الشوكة المانعة من ظهور المخالف ونقض الاستقرار في ظلّ حالة من الحنق العامّ والرفض لها من الشعب المتديّن المتلزم قبل غيره, و لا يمكن بأيّ تبرير أن ينطبق عليها وصف الدولة حسب الفقه السياسي الإسلامي, ما لم تحقّق هذين الشرطين إضافةً للشروط الخاصّة بالإمام والتي لا أظنّ إمكانية التحقّق منها في ظلّ منظومة من التلثّم والسريّة المطبقة.

رابعاً: واهمٌ من يظنّ أنّ هؤلاء فعلوا ما فعلوه لاجتهاد في الدين أو حرص عليه حتى يُردّ عليه باجتهاد مقابل, وهل يرون أحداً مقابلهم أساساً؟!, لقد كنّا نعيب على الحركات الإسلامية أنّها تعتبر كونها معيار الحقّ والباطل, فكيف بمن يعتبر حركته معيار الإسلام و الكفر؟!, لم تكن حالةً من تطبيق الدين بقدر ما هي حالةٌ من إظهار السلطة والقوّة لا غير, والمدافعون عن هذه الدولة بعد كلّ تجاوزاتها ومهما فعلت لا ينطلقون من موقف شرعيّ- نقاش بسيط مع أيّ منهم كافٍ لتدرك حمولته من العلم- وإنّما من موقف نفسي يؤسّسه التعصّب و يصرّ على أخذ مداه حتى نهايته التي تكاد تلتبس بالتوثين لهذه الدولة, و من برّر استباحة الدماء هل يهمّه أن يلتفت إلى الشرع حتى يتراجع عن التعدّي على الكنائس؟!, نحن أمام حالة من التعصّب والفتنة المنتنة كما وصفها رسول الله, حالة من التجهيل واستلاب العقول حدّ توهّم واقعٍ مغاير لتبرير كلّ ما يجري في الواقع القائم, وهذا خطر لا على الناس والثورة السوريّة المباركة وحسب, وإنّما على المشروع الجهادي المحارب للهيمنة في العالم ككلّ, المؤامرة على المشروع الجهادي تبتدئ من هذه الحركات التي تسوّغ انحرافاتها وعدوانها على المجاهدين حتى تصل لتشويه الجهاد وخلق حالةٍ عامّة من الرفض والكره له, كما حصل في الجزائر والعراق من قبل, ودون نسبة ذلك إلى المؤامرة كما تجري العادة, فإخلاص القائمين بهذا التشويه الخطير لفكرتهم وتديّنهم وتضحيتهم بحياتهم لا يغيّر من واقع الأمر وخطره وضرورة مواجهته شيئاً.

هداهم الله للصواب وكفاهم وكفانا شرّهم قبل أن ينساقوا ويسوقونا معهم مضطرّين إلى هاوية وفتنة يضحك لها الأعداء بينما يراقبون أنهار دمنا الذي لم يسفكوه.

المصدر: موقع أورينت نت

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,306,204 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: