نظام الأسد, تحليلات وتقارير

تقرير حول الفرع 215 سرية المداهمة والاقتحام شعبة المخابرات العسكرية – دمشق


 

مقدمة:

شهدت الأشهر الأخيرة المنصرمة من عمر الثورة السورية ارتفاعاً مخيفاً وحاداً في نسبة الشهداء الذين قضوا في أقبية أجهزة النظام السوري المختلفة تحت التعذيب الشديد أولاً، أو كنتيجة طبيعية للإهمال الصحي المتعمّد من قبل السلطات نفسها لأماكن الاحتجاز السرية المختلفة، ثانياً، والمنتشرة على كافة الجغرافية السورية، حيث اختلفت طرق القتل والتنكيل والتعذيب بالمعتقلين من جهاز أمني إلى آخر، والتي عادة تكون في الفترة الأولى من الاعتقال أي أثناء عملية التحقيق، وهي الأيام الأصعب في حياة النسبة الساحقة من المعتقلين، حيث أكدّ العديد من شهود العيان الذين قابلهم مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، أن جُلّ حالات الوفاة تكاد تنحصر في الأيام العشرة الأولى من حياة المعتقل، ومن ينجو من الموت في البداية، سيواجه خطر الموت البطيء الذي عادة ما تكون الأمراض الجلدية المزمنة والضغط النفسي الشديد سبباً مباشراً له.

خلفية التقرير:

يأتي هذا التقرير ضمن سلسلة تقارير متتابعة يصدرها مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، حول أماكن الاحتجاز السريّة في سوريا، حيث يحاول من خلاها رصد وتوثيق كافة أشكال وصنوف المعاملة السيئة التي يتعرض لها المعتقلون من قبل قوات الأمن السورية ويحاول في الوقت نفسه الوصول إلى الأشخاص والهيئات المسؤولة عن مجمل هذا الانتهاكات بحق المواطن السوري، حتى يتمّ محاسبتهم أولاً والعمل على عدم تكرارها في سوريا المستقبل ثانياً.

منهجية التقرير:

حاول فريق العمل في مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، الاعتماد على العديد من الشهادات لمعتقلين سابقين حول حقيقة الأرقام المخيفة التي يتمّ تبادلها عن حالات الوفاة التي تحدث في الفرع 215 ، كما اعتمد في هذا التقرير على شهادة أحد الضباط المنشقين من الفرع نفسه، إضافة إلى استشارة أحد الأطباء المختصين، مستفسرين منه عن الأسباب العملية خلف مئات حالات الوفاة التي أكدّها جميع الشهود.

أيضاً حاول فريق العمل حمل هذه الشهادات إلى إحدى شركات التزويد بصور الأقمار الاصطناعية، بعد أنّ أكدّ جميع من تمّ اللقاء بهم، أنّ عمليات الدفن التي تتم للشهداء الذين يقضون تحت التعذيب، إنّما تحدث في منطقتين قريبتين من بعضهما البعض وهما منطقة “نجها” بريف دمشق، ومنطقة “البحدلية” والتي تقع بالقرب من المنطقة الأولى، وكان لمنظمة هيومان رايتس وتش العالمية الدور الأساسي في تزويد مركز توثيق الانتهاكات في سوريا بالصورة المطلوبة.

التحديات والصعوبات:

لا يمكن الحديث اطلاقاً عن طبيعة التحديات ونوعها بمعزل عن القضية أو الجوهر الذي يتمحور حوله التقرير، ذلك أن التحديات تختلف من قضية إلى أخرى، بحسب تعقيدات تلك القضية وتفاصيلها الصغيرة، وعليه فإن مركز توثيق الانتهاكات في سوريا وبعد أن وضع هدفاً واضحاً ومحدداً من هذا التقرير، قرّر المضي بهذا الهدف ليظهر للرأي العام حجم وهول الانتهاكات التي تحدث في أقبية المخابرات السورية وخاصة شعبة المخابرات العسكرية – الأمن العسكري.

وبالإضافة إلى تبيان فظاعة الانتهاكات وطرق التعذيب المختلفة، وضع المركز إجراء تحقيق حول الأماكن الجغرافية التي يتمّ فيها دفن الشهداء تحت التعذيب من أولويات التقرير أيضاً، خاصة بعد توفّر العديد من الشهادات التي أكدت على منطقة جغرافية بعينها، كان يتمّ فيها الدفن الجماعي وفي وضح النهار أحياناً، إلا أنّ التحدي الرئيسي كان هو طريقة الوصول إلى دليل لا يقبل الشك أن عمليات الدفن تمت في هذا المكان، وهو يحتوي على العديد من المقابر الجماعية، خاصة أن النظام اختار الأماكن القريبة من مدافن سابقة – مقابر طبيعية – ليدفن فيها كل من استشهد تحت التعذيب في الأفرع الأمنية المختلفة.

 

شعبة المخابرات العسكرية – الأمن العسكري:

تنقسم أجهزة مخابرات النظام السوري إلى أربعة أقسام رئيسة وهي:

  • شعبة المخابرات العسكرية “الأمن العسكري”، تابعة شكلياً لوزارة الدفاع.
  • إدارة المخابرات الجوية، تابعة شكلياً لوزارة الدفاع.
  • شعبة الأمن السياسي، تابعة شكلياً لوزراة الداخلية.
  • إدارة المخابرات العامة.

تنقسم هذه الأجهزة بدورها إلى فروع مركزية في العاصمة دمشق، بالإضافة إلى فروع إقليمية في المحافظات، وفروع محلية في المدن وشتى أنحاء البلاد، ويملك كل فرع مركزي أو إقليمي أو محلي مركزاً أو مراكز للإعتقال تتفاوت أعداداها وأحجامها بحسب أهمية المنطقة.

* عملياً تدير شعبة المخابرات العسكرية العديد من الأفرع المختلفة وخاصة في دمشق، وقد استطاع مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، ومن خلال أحد العناصر المنشقة من إدارة أمن الدولةدمشق – التعرف على معظم الأفرع التابعة لها.

يقول المصدرالذي رفض الكشف عن رتبته أو أية تفاصيل أخرى بسبب تواجده في الداخل السوري:

يترأس الشعبة حالياً “رفيق شحادة ” وهو كان ضابطاً مسؤولاً عن أمن القصر الجمهوري وكان رئيساً للفرع 293 قبل أن يستلم إدارة الشعبة مباشرة، أما الأفرع فهي كالتالي:

1 – الفرع 291 أو كما يُسمى الفرع الإداري أو فرع المقر وهو القلب النابض للجهاز حيث يحتوي على ملفات جميع العاملين ضمن الشعبة ويقع في شارع 6 أيار – شارع التوجيه السياسي بدمشق.

2 – الفرع 293 وهو فرع شؤون الضباط أو أمن الضباط أو فرع تحقيق الضباط المسؤول عن رقابة الضباط من أصحاب الرتب أو الطلاب الضباط بالكلية والأكاديمية وهو الأكثر سطوة لأن كافة ضباط سوريا تحت رقابته بصرف النظر عن الرتبة مهما علت وعند التحقيق يقوم الضابط بخلع رتبته قبل الدخول.

3 – الفرع 294 وهو فرع أمن القوات وهو المسؤول عن مراقبة كافة قطع الجيش والقوات المسلحة – باستثناء القوات الجوية والدفاع الجوي- ويحتوي على ملفات خاصة للجنود وصف الضباط العاملين في الجيش وملفات عن المعسكرات والقطع العسكرية وحالتها القتالية ودرجة استعدادها ومدى ولائها هذا الفرع يمارس مهمة اشرافية على جهاز الشرطة العسكرية ووحداتها الملحقة بالتشكيلات العسكرية وهو فرع مهم جداً وهو نفسه ما يسمى فرع المعلومات وحاليا يقوم بتوجيه غرف عمليات الجيش القصف المدفعي والطيران الحربي ويقع تحديداً بالقرب من دوار عدنان المالكي.

4 – الفرع 235 : فرع فلسطين وهو من أهم أفرع هذا الجهاز وأقدمها وهو فرع ضخم يكاد يكون حجمه بحجم جهاز استخباري منفرد، توجّه نشاطه بشكل كبير نحو الحركات الإسلامية خاصة، يتبع للفرع وحدة تسمى “وحدة الضابطية الفدائية” وهي تملك مبنى مستقل ولكنها تتبع الفرع المذكور وتختص بشؤون جيش التحرير الفلسطيني والحركات الفلسطينية المسلحة التي تتواجد بسلاحها بشكل رسمي على الأراضي السورية.

5 – الفرع 211 أو الفرع الفني ويسمى أيضاً بفرع الحاسب الآلي أو فرع الكمبيوتر وتعمل فيه كفاءات بشرية عالية يختص بالخدمات المتعلقة بالكمبيوتر والانترنت المرتبطة بالجهاز ومن مهامه أيضا مراقبة الانترنت والنشاط عليه ويتدخل في قضايا حجب المواقع أو رفع الحجب عنها ويقع في حي القابون الدمشقي بعد كلية الشرطة على الطريق الرئيسي، ومن مهامه أيضاً الاتصالات اللاسلكية وتقديم الدعم الفني للفرع 225 .

6 – الفرع 225 أو فرع الاتصالات ويختص بالاتصالات الداخلية والخارجية التي تتم عبر الهاتف أو المحمول أو الفاكس ويستطيع التحكم مباشرة بجميع الاتصالات داخل سوريا كحجب أرقام معينة أو قطع مكالمات أو تعطيل خدمة الرسائل القصيرة عن أحد الارقام أو ايقاف رسالة قبل وصولها…. إلخ والتنصت عليها ويتداخل عمله في مجال الانترنت كثيرا مع الفرع 211 ويتعاون معه.
ملاحظة: تم تحويل هذا الفرع إلى إدارة كاملة بعيد اندلاع الثورة و تم جلب عناصرها من مختلف الفروع و الادارات (أمن دولة – أمن عسكري – جوية – أمن سياسي) و استبدلت بطاقاتهم ببطاقات صادرة عن القصر الجمهوري على أنهم تابعون لادارة الاتصالات.

7 – الفرع 237 : فرع اللاسلكي وهو خاص بمسح موجات الراديو وتتبع المكالمات اللاسلكية والتنصت عليها أو تشويشها أو التداخل معها.

8 – الفرع 215 : سرية المداهمة والاقتحام ، و يقابله الفرع 295 في أمن الدولة، وسوف يتمّ الحديث بالتفصيل عنه من خلال هذا التقرير.

9 – الفرع 216 : فرع الدوريات.

10 – الفرع 220 : فرع مخابرات الجبهة ويسمى أيضا فرع سعسع.

11 – الفرع 227 : فرع محافظة دمشق (ويسمى أيضا فرع المنطقة) و هي حالة خاصة إذ أنه لا يتواجد في الادارات المركزية فرع خاص بالعاصمة ففي أمن الدولة و الجوية و السياسية لا يوجد ما يسمى فرع دمشق .. يوجد فقط فروع لباقي المحافظات لأن الادارة المركزية أعلى و أهم و تتواجد في العاصمة.

12 – الفرع 248 مخابرات عسكرية، شارع التوجيه السياسي، 6 أيار.

13 – الفرع 261 : فرع محافظة حمص.

14 – الفرع 245 : فرع محافظة درعا.

15 – الفرع 219 : فرع محافظة حماة.

16 – الفرع 222 : فرع محافظة الحسكة.

17 – الفرع 271 : فرع محافظة ادلب.

18 – الفرع 290 : فرع محافظة حلب.

19 – الفرع 243 : فرع محافظة دير الزور.

20 – الفرع 221 : فرع البادية (ويسمى أيضا فرع تدمر

شهادات معتقلين سابقين وإفادات:

بدأ مركز توثيق الانتهاكات في سوريا بجمع شهادات ومعلومات وأدلة حول حقيقة ما يحصل في الأفرع الأمنية المختلفة، حيث أصدر تقريراً بعنوان”جحيم معتقلات الفرقة الرابعة بدمشق” وأصدر تقريراُ آخراً حول الفرع 227 دمشق فرع المنطقة، وعدة تقارير أخرى عن أجهزة أمنية مختلفة، ويأتي هذه التقرير ضمن سلسلة تقارير سيصدرها المركز تباعاً ليفصّل في حقيقة أوضاع المعتقلين في المعتقلات المختلفة وعلى رأسها شعبة المخابرات االعسكرية “الأمن العسكري” بأفرعه المختلفة” وسنركز في هذ التقرير على الفرع 215 سرية المداهمة في دمشق، مستندين على شهادات لعدد من المعتقلين الذي أمضوا فترات اعقتالة متفاوتة هنالك.

1 )) – الشهادة الأولى:

“بدي ورطك بالسلاح وابعتك ع الشام”

  • لم يكن يعلم مروان أبو أنس*، أنّ هذه الكلمات سوف تفتح عيونه على آلاف المآسي التي لم يعرف قط أنها تحدث في قلب دمشق، وعلى يد من كان “من المفترض” أن يكون حامياً لها.

مروان أبو أنس، مواليد 1985 ابن محافظة دمشق، طالب معهد تجاري، عازب، كان له نصيب بأن يرى العديد من أقبية المخابرات السورية، وعلى رأسها الفرع ( 215 ) أو كما يُسمى سرية المداهمة، كان مروان عائداً من لبنان بتاريخ 6-5-2013، وتفاجأ بوجود اسمه كمطلوب أمنياً على إحدى المعابر الحدودية، حيث قام عناصر من أمن الحدود باقتياده إلى سجن صغير في المفرزة الحدودية نفسها، حيث تعرف على أحد عشر معتقلاً آخراً، من مختلف الاتهامات، ولم تمض عدة ساعات، حتى جاء أمر نقله إلى الفرع 248 المطلوب إليه بتهم لا يدري مروان ماهيتها، وكانت له هذه الشهادة التي أدلى بها لمركز توثيق الانتهاكات في سوريا:

  • يقول مروان:

“عند اقتيادي إلى الفرع 248 – والذي عرفت لاحقاً أني موجود فيه من قبل المعتقلين أنفسهم، واستطعت أيضاً تمييز جغرافية المكان حيث كنت أرى قليلاً من تحت قطعة القماش التي كانوا وضعوها على عيني – وعند الوصول إلى باب الفرع أخذوني إلى مكتب صغير كان يسمى مكتب التسليم، حيث قام أحد المساعدين بأخذ

المعلومات المهمة عني، وكان يظهر عليه العمر قليلاً “شايب” وكان متوسط القامة، يتكلم باللهجة الساحلية، حيث أخبرني أن التهم موجهة إلى من قبل إحدى مفارز الأمن العسكري ، ثم تفاجأت بقدوم أحد العناصر، وأعتقد أن كان

من عناصر الشبيحة، بسبب جثته الضخمة، وشكل وجهه ولحيته، حيث انهال علي بالضرب المبرح مستخدماً كلتا يداه، وقام برميي أرضاً وركلي برجله على كافة أنحاء جسمي وخاصة على منطقة الوجه، لم تمضِ العملية طويلاً، فقد توقف عن الضرب، بعد أن لاحظ أني بدأت افقد وعيي شيئاً فشيئاً”.

ثم قاموا باقتيادي إلى المبنى الرئيسي – مع معتقل آخر يبلغ من العمر 17 عاماً من إحدى المحافظات الشرقية؛ أيضاً قد تم اعتقاله على الحدود السورية اللبنانية، ولكن أثناء خروجه من سوريا، وأنزولنا حوالي 30 درجاً تحت الأرض، ثم قاموا برمينا في أحد الزنزانات وكانت مساحتها عبارة عن 2* 1.5 متراً وتفاجئنا بوجود تسع عساكر”جنود” بزيهم العسكري، كان قد تمّ توجيه تهمة “محاولة الإنشقاق” لهم، وأكدّ ليَ الجنود جميعم أنه لم يقوموا بعملية الإستحمام منذ أكثر من شهر، حيث أنه يتم منعهم من ذلك، و لم أمض أكثر من ثلاث ساعات هنالك، حتى قاموا بالنداء على اسمي ثم نقلي إلى مهجع آخر بمساحة 2.5 * 3 وكان يحتوي على حمام صغير، وكنّا حوالي 36 شخصاً، معظهم من الجنود المنشقين، أو ممن كانوا يحاولون الإنشقاق، بالإضافة إلى عدد قليل من المدنيين، وأتذكر اسم أحدهم وهو: باسم الحريري من مدينة بصر الحرير – بدرعا، وكان قد اعتقل بتهمة حيازة السلاح، وأثناء نقلي من الزنزانة لاحظت أنّ عدداً من المحققين يقومون بالتحقيق مع طفلين صغيرين كان الأول يبلغ من العمر حوالي تسع سنين والثاني حوالي إحدى عشر سنة، وكان يتم استجوابهم حول بعض المسلحين …

صورة توضح اموقع الجغرافي للفرع 248 أمن عسكري:

* تم تغيير كافة المعلومات الشخصية للشاهد حفاظاً على أمنه وسلامة عائلته، ويحتقظ مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، بجميع الملعومات الحقيقية ويتحفّظ في الوقت نفسه على نشرها حالياً.

—————–

لم يمض الوقت الكثير على وجودي في الفرع 248 ففي اليوم التالي تقرر نقلي إلى فرع الشرطة العسكرية – القابون، ويقع ضمن الإحداثيات التالية ( 33°33’16″N 36°19’53″E ) حيث تفاجأت أن المعتقلات تعج بآلاف المعتقلين، ومن كافة التهم، تم وضعي في زنزانة مع حوالي 180 شخصاً آخراً بمساحة 5*2 متراً، وكان هنالك الكثير من حالات “الفصل” وهي كلمة تطلق على المعتقل الذي يقوم بأفعال ويتحدث بأقول غريبة وغير متجانسة، نتيجة لحجم التعذيب الهائل الذي تعرض له، إضافة إلى درجة الحرارة المرتفعة بشكل كبير داخل أقبية المخابرات، كانت من بين أسوأ الحالات التي صادفتها هو رؤية رجل مبتور القدمين، فقد حمله عدد من السجناء أثناء مناداة السجانين له، ولكنني لم أستطع التمكن من معرفة السبب الرئيسي وراء بتر كلتا رجليه، هل أنه تمّ ذلك داخل المعتقل أم لا ؟ كان العرق يتصبب من المعتقلين مثل الماء نتيجة لانعدام فتحات التهوية، وكانت الرائحة الكريهة والامراض الجلدية منتشرة انتشار النار في الهشيم بين كافة المعتقلين.

بعد أربعة أيام متتالية قضيتها في مقر الشرطة العسكرية بالقابون، تقرر نقلي مع 17 معتقلاً آخراً إلى الشرطة العسكرية في محافظة السويداء ومنه إلى أحد الأفرع الأمنية، حيث تم تسليمي إلى أحد الضباط وكان برتبة مساعد، كان شخصاً ضخم الجثة، أصلع الراس، كان وزنه أكثر من 100 كغ، لديه شوارب سوداء، يبلغ من الطول حوالي مترين، ويتكلم

اللهجة الساحلية، وصادف أن شاهدت يومها فتاة تبلغ من العمر 20 عاماً، قد تمّ اعتقالها على خلفية نشاطات ثورية من محافظة درعا، وقاموا بايداعي في مهجع “زنزانة واسعة نسبياً” مع حوالي 50 شخصاً آخراً كان أغلبهم من أبناء محافظة درعا، لم تمضِ أكثر ساعتين حتى قاموا بمناداة اسمي وأخذي إلى المكان المخصص للتحقيق وكان المحقق يُدعى المساعد “أبو حبيب”، وأخبرني أنّ هنالك وشاية “تقرير” من أحد العملاء بأنني قمت ببعض الأنشطة الثورية، بطبيعة الحال أنكرت كل هذه التهم جملة وتفصيلا ولكن ذلك لم يشفع بشيء، فقد انهال بالضرب المبرح على بواسطة عصا “خشبية” ولم يتوقف من الضرب إلا بعد أن انكسرت العصا نتيجة الضربات القوية التي كان يوجهها لجسمي، إضافة إلى الركل بالأيدي والأرجل مترافقاً مع كمّ هائل من السباب والشتائم التي كان يكيلها لي ……

بعد أربعة أيام قاموا بمناداتي مرة أخرى وأخبروني عن وصول دفعة جديدة من التهم؛ كان من بينها التواصل مع جنود من الجيش النظامي لتأمين محاولة إنشقاقهم، حينها أيقنت أنني في مأزق كبير، خاصة بعد أن قال المساعد وباللهجة العامية “بدي ورطك بالسلاح وابعتك ع الشام” ثم لم تمض دقائق معدودات حتى قام عدد من العناصر بضربي بواسطة انبوب من البلاستيك القاسي “خرطوم قاسي جدا للتمديدات الصحية لونه أخضر – يُسمّى في لغة المعتقلات الأخضر الإبراهيمي” حيث ضربوني أكثر من مئة ضربة كانت معظمها على منطقة الظهر والصدر والبطن …….

بعد حوالي أربعة أيام قامت دورية تابعة للفرع المذكور باقتيادي مع أحد المعتقلين الآخر وكان يُدعي “م. ع” ، بالإضافة إلى شخص آخر – عسكري منشق – حيث تمّ نقلنا إلى دمشق، وكان من المفترض أن يتمّ أخذنا إلى الفرع الذي كنت فيه بادئ الأمر وهو الفرع 248 أمن عسكري، ولكن بسبب عدم تحمّل الفرع أعداداً أخرى من المعتقلين بسبب كثافة عدد المعتقلين تقرر تحويلي إلى فرع آخر، يبعد بضعة دقائق عن الفرع 248 والذي عرفت وبمجرد وصولي إليه، أنّه الفرع 215 أو كما يسمى – سرية المداهمة – وهو أيضاً فرع تابع لشعبة المخابرات العسكرية أو الأمن العسكري، وهو يقع جغرافياً مقابل وزراة الكهرباء تماماً في شارع 6 أيار.

(( أي بجانب الفرع 248 الذي أشرنا عليه بالأعلى ويبدو أنهّ هنالك تداخل في المبني وفصلاً في الأقبية الداخلية تحت الأرض))

الإحداثيات 33.507379N, 36.274010E

في الفرع 215 …………..

عند صولنا إلى الفرع 215 تمّ أخذي إلى أحد المحققين وكان برتبة مساعد، قصير، ذو بشرة سمراء، وزنه حوالي 95 كغ، يتكلم باللهجة الشامية، وسألني عن التهم الموجه إلي، والتي لم يُعر اهتماماً كبيراً لها، ثم أمر أحد العناصر بأخذي، ومررنا بصالة كبيرة ثم نزلنا درجات إلى الأسفل، حيث كان أمامي بابٌ أسودٌ كبيرٌ، وبمجرد ما أن تم فتح الباب طلب الحراس مني الدخول، حيث تفاجأت جداً من مناظر وأشكال المعتقلين الموجودين في الداخل والتي كان يبدو أنها تنتظر الدخول إلى الحمام لقضاء الحاجة، وأناس آخرين مرمين في الممر، لم يكونو بمنظر البشر، كانو عبارة فقط عن هياكل عظمية تمشي وتتحرك، وكانت التقرحات الجلدية قد نهشت من أجسادهم الكثير، وكان المعتقلون المرميون على الأرض يبدون وكأنهم يسبحون في بركة من الدماء و”القيح” الذي يفرزه أجسادهم نتيجة التقرحات والإلتهابات المزمنة نتيجة عدم وجود وسائل النظافة والمعقمات ……….

وعند توجهي إلى الزنزانة التي طلبو مني الذهاب إليها، تعرفت على المكان أكثر وعدد الزنازين الموجودة فيه، والملفت في هذا المعتقل الضخم والذي يحتوي على حوالي 1800 معتقل متوزعين على زنانين وغرف اعتقال صغيرة، هو الغياب التام للأمن في الداخل، باستثناء مكتب لأحد المساعدين، وكانت عبارة عن حجرة صغيرة في إحدى زوايا المعتقل، أمّا من كان يقوم بالأمور الإدارية الأخرى فهم “الشاويشية – مفرده شاويش” أو “عمال السخرة” وهم عبارة عن معتقلين قدامى “ضمن فترة الثورة” قد تمّ على فترة اعتقالهم السنة وما فوق، كانت لديهم العديد من المهام بالاضافة إلى توزيع الطعام والنظافة، فكانو على سبيل المثال يقومون بجلب جثث المعتقلين الذين كانو يقضون تحت التعذيب التعذيب الشديد في الطابق السادس العلوي.

أخبرني أحد الشاويشية في إحدى المرات، أنه تم الطلب منهم جلب بطانية “غطاء للنوم” والذهاب للأعلى، وعند وصولولنا، تفاجئنا بأحد المعتقلين مضرجاً بالدم ويسبح في بركة من الدماء، حيث كان قد تمّ تعذيبه بشدة، ومن ثم ضربه بالمطرقة ” الشاكوش” على مناطق مختلفة من جسمه وخاصة منطقة الرأس، حتى فارق الحياة …

  • تمّ اقتيادي إلى المهجع خشب رقم 4 وكان رئيس المهجع يُدعى أبو محمود الأطرش، كنا 70 شخصاً قابعين في مساحة لا تتجاوز 4*3.5 متراً مربعاً، الشيء المؤسف أنّ المعتقلين القدماء “الشاويشية” كانوا قد احتلوا أكثر من ثلثي المكان، أمّا القسم المتبقي فكان مخصصاً للمعتقلين الحديثين حيث كانت عملية النوم تتم عندهم وهم في وضعية القرفصاء، بينما كان القدامي ينعمون بمدّ أرجلهم والنوم على ظهورهم ……

في هذا المهجع تحديداً رأيتُ سبع حالات وفاة لمعتقلين نتيجة المرض الشديد وارتفاع درجات الحرارة، حيث كان معظم المعقلين “حديثي الاعتقال” الذين لم يتحملوا البيئة القاسية والسيئة جداً للمعتقل، عرضة للإصابة بمرض “الفصل” حسب التعبير المتعارف من قبل المعتقلين، وهي الحالة التي تسبق عملية الموت المحتّم، حيث يتدرج المعتقل في فقد الإحساس بالأحداث التي تصير حوله، ثم يبدأ بفقدان ذاكرته شيئاً فشيئاً، وتبدأ عملية الهذيان التي تنذر ببعد الشخص المعتقل عن الموت ساعات قليلة ……

  • بالعودة إلى الطابق السادس، المكان المخصص لتحقيق مع المعتقلين، ذكرت النسبة الساحقة للمعتقلين أنّهم تعرضوا للضرب والتعذيب الشديدين، وكانت من أسوأ الوسائل المستخدمة هي الشبح “التعليق من اليد” لساعات طويلة، إضافة إلى الصعق الكهربائي الشديد، إضافة إلى الضرب بالهراوات والسياط على كافة أنحاء الجسم.

لم يكن يمر يوم بدون حالة وفاة أو حالتين، كان أغلبهم ممن تحول من معتقلات حمص، وخاصة فرع الأمن العسكري هناك.

ثم بعد أربعة أيام تمّ نقلي إلى المهجع رقم 7 وكنا 80 شخصاً بمساحة لا تتجاوز 4*4 أمتار، وارتفعت درجة حرارتي باطراد، حيث ساعدني العديد من المعتقلين من خلال تبريد جسمي وجلب الماء والاعتناء بيّ، وكان منهم معتقل من محافظة درعا، حيث كان معتقلاً منذ أكثر من سنة، وكان يعاني جداً من الأمراض الجلدية والتقرحات المزمنة.

كل نزلاء المهاجع والزنزانات – والذين كان يقدر عددهم ب 1800 معتقل – كانوا يستعملون ست حمامات فقط ، وفي بعض الأحايين كان يضطر المعتقل أن ينتظر أكثر من يومين “ع الدور” ليكون له استعمال دورة للمياه” كانت نسبة أعمار المعتقلين تترواح ما بين ال 20 و ال 30 عاماً، أكثر عدد الوفيات بحسب المعتقلين القدامى كان برمضان الماضي 2012، حيث توفي حوالي( 46 ) معتقلاً، النسبة الساحقة من معتقلي محافظة حمص كانوا من الطلاب الجامعيين…

بتاريخ 3-6-2012 وتحديداً بين صلاة المغرب والعشاء توفي أحد المعتقلين، من أبناء محافظتي الأم، بعد سنة كاملة من الاعتقال، كان قد سبقه بأيام قليلة العديد من ابناء محافظتي، أحدهم كان طالباً في كلية طب الأسنان، كان قد تمّ التحقيق معه تسع مرات، استشهد على اثرها، متأثراً بالجروح والآلام التي أصيب بها خلال عملية التحقيق والتعذيب.

بالقرب من دورات المياه كانت هنالك غرفتين، الغرفة الأولى كانت تسمى “مهجع العزا” وكانت مكاناً لوضع جثث المعتقلين الذين قضوا في المعتقل، وإلى جوارها بالضبط كانت هنالك غرفة أخرى “مستطيلة الحجم” خاصة بالمعتقلين الذين يعانون من امراض مزمنة كثيرة “على حافة الموت” بالإضافة إلى العديد من الحالات الموجودة في “الموزع” ما بين الصالة الكبيرة و الحمامات ومهجع العزا، حيث كان يرقد العديد من المعتقلين الذين ينظرون حتفهم ….

وقد ذكر الشاهد في شهادته أسماء العديد من الشهداء الذين شهد وفاتهم بأمّ عينه، إلاّ أن مركز توثيق الانتهاكات في سوريا يتحفّظ على نشر هذه الأسماء، حتى يتسنى التأكد من مصدر آخر أولاً، وحفاظاً على مشاعر أهل ذويهم ثانياً.

الصورة التالية توضح الصورة الحقيقة لمكان الاعتقال وعدد المهاجع والغرف وعدد المعتقلين الموجودين في كل منها:

حدثني أحد عمال السخرة “شاويش” وكان من أبناء محافظة درعا واسمه ( م . ف) وهو كان مسؤولاً مع بعض الأشخاص الآخرين عن عملية نقل جثث الموتى إضافة إلى المرضى ، والذي قدّر العدد بأكثر من ثلاثة آلاف معتقل قضو تحت التعذيب أو بسبب المرض، وأكدّ لي أنّ هذه الأرقام جميعها موثّقة في سجلات خاصة بمكتب المساعد؛ المسؤول عن السجن، للوهلة الأولى لم أسطتع تمييز الحجم الضخم للرقم الذي تفوه به، وبعد أنّ سألته عدة مرات أخر كان الجواب نفسه يتكرر.

عندما كانت تتم عملية إخلاء سبيل أحد المعتقلين كان يُستدعى لمكتب المساعد، ويوقع على أوراق معينة، وغالباً ما كانت تتم هذه العملية في حوالي الساعة الحادية عشر ليلاً، وبتاريخ 11-6-2013 كنت من بين أحد الأشخاص الذين كُتب لهم عمر جديد، فقد تم مناداة اسمي حوالي الساعة 11 ليلاً وتمّ الطلب مني التوجه إلى مكتب المساعد …. أمام مكتب المساعد كانت هنالك مساحة صغيرة ينتظر فيها المعتقلون للتوقيع مثلاً أو للحصول على شيء معين، وعند وصولي إلى هنالك رأيت الرقم 3234 ثلاثة آلاف ومئتان وأربعٌ وثلاثون وقد وضع على جبين إحدى الجثث التسعة، عندها تذكرت جيداً كلام الشاويش المسؤول عن عمليات الدفن والأرقام التي تحدث عنها، وعند انتهائي من بعض إجراءات إخلاء السبيل أو التحويل إلى أي مكان آخر، طلبو مني العودة إلى المهجع والإنتظار حتى الصباح لحين قدوم السيارة، وأثناء عودتي بدأت أستفسر من جميع السجناء القدماء عن طبيعة وحقيقة الرقم الموضوع على جثث الموتى ووضعهم على “بطانية” غطاء النوم ؟؟؟؟

فأخبروني أنّ هذا الرقم يشمل أيضاً المرضى الذين يتمّ تحويلهم إلى المستشفيات أيضاً، فجاء السؤال الآخر: إلى أين يأخذون المرضى ؟؟؟ فأجابوا لا ندري، ولكن كل مريض خرج من هنا لم يعد، ونتوقع أنّه يتمّ دفنه حياً، حيث أنّه لا يتم تحويل الشخص إلى المشفى إلا كان على حافة الموت، حيث يتم وضعه على “البطانية” وترقيهم بأرقام ضمن أرقام الموتى، مع العلم أن العدد 3234 فيه نسبة الضحايا ( الموتى ) أكثر بكثير من أعداد المرضى الذي يتم دفنهم وهم أحياء.

ولكن إلى أين يأخذونهم ومتى وبماذا؟؟

يتمّ أخذهم إلى المشفى 601 في المزة – دمشق، بواسطة سيارة فان خضراء – تشبه إلى حدّ كبيرة سيارات الإسعاف الروسية الصنع التي يستخدمها الجيش النظامي السوري، حيث يتمّ بعدها دفنهم في منطقة نجها بريف دمشق وتحديداً بالقرب من مقبرة الشهداء الموجودة هنالك.

في صباح اليوم التالي تمّ تحويلي مع امرأة وابنتها الصغيرة وعدد من المعتقلين الآخرين إلى القضاء العسكري في دمشق، ثم قاموا بتحويلي مرة أخرى إلى قسم الشرطة العسكرية في القابون، ومنه إلى القصر العدلي في وسط دمشق، حيث تمّ عرضي على قاضٍ مدني حيث أمر بإخلاء سبيلي.

انتهت الشهادة

  • توضح الصور التالية إحدى طرق التعذيب المتبعة في الفرع ( 215 ) والتي يسميها المعتقلون ( الشبح ) ويتم فيها تعليق المعتقلين من أيديهم، وفي أغلب عمليات الشبح في الفرع ( 215 ) لا تلامس قدم المعتقل الأرض بل يتمّ رفعه حوالي 50 سم من الأرض، مما يسبب حالة شديدة من الألم تؤدي في معظم الأحيان إلى تمزق في الأربطة وشلل شبه دائم في الأيدي:

صورة ( 1 ) القدمين ملاصقين للأرض.  صورة ( 2 ) القدمين مرتفعتين عن الأرض حوالي 50 سم.

2 )) –الشهادة الثانية:

المهندس المعماري الشاب: ( أ، ب) الملقب: فجر الشامي، 23 عام، عازب، من سكان مدينة دمشق.

تمّ اعتقال فجر خلال مظاهرة في ساحة المواساة بوسط دمشق بتاريخ 22 – 9 – 2012 بعد أن خرج المئات من المتظاهرين يومها، والطريف في الأمر – أنّه عندما كانت المظاهرة تنفضّ أو تكاد – عند قدوم عناصر الأمن السوري، وحين لم يتسنى لهم إلقاء القبض على “العدد المطلوب” كما يبدو، قاموا باعتقال 22 مواطناً، كانوا يحضرون مراسم العزاء في المنطقة لأحد المواطنين الذين مات بمشيئة ربانية.

يقول فجر:

بعد اعقتالي من قبل عناصر الأمن السوري، تمّ وضعي في سيارة أمنية صغيرة وبدأوا بالبحث في كل الشوارع المحطية بمكان المظاهرة عن أناس آخرين شاركوا في التظاهرة، وكانوا يطلبون التعرف على الفتيات بالدرجة الأولى، وأثناء تلك العملية كانت عناصر أخرى تتولى مهمة ضربي بأخمص البارودة وخاصة على منطقة الظهر …..

بعد وصولي إلى الفرع – وكان قريباً جداً لا يبعد إلا بضعة دقائق من مكان التظاهرة – تفاجأت باعتقال 42 شخصاً آخراً من نفس المكان، كان من بينهم 22 شخصاً لا علاقة لهم بالمظاهرة، وإنما صدف وجودهم في إحدة مجالس العزاء القريبة.

في الفرع 215 أدخولنا إلى صالة رياضية كبيرة، في الطابق الأرضي، وانتظرنا هنالك لمدة ثلاث ساعات، ثم تمّ انزالنا إلى أحد الأقبية التي كان مدخلها مواجهاً للصالة الرياضية، بينما هي في القبو، حيث تم وضعي في إحدى الزنزانات والتي كانت تحمل اسم “خشب 1 “ وكانت بمساحمتراً وكنا حوالي 90 معتقلاً في نفس المكان، حيث كانت الحرارة جداً مرتفعة وكانت مصاحبة لرطوبة شديدة بسبب انعدام شبابيك أو فتحات للتهوية.

كان كل معتقلين ( 2 ) جديدين يتم تخصيص بلاطة واحدة لهما بمساحة 40*45 سم، أمّا المعتقل القديم فكان يملك لوحده ثلاثة بلاطات، أما المعتقل الحديث فكان يتناوب مع زميله المعتقل ساعات الراحة التي كانت عبارة عن الجلوس بحالة القرفصاء.

كان المهجع يشهد حالات “فصل” يومياً أي حالات هذيان بمعدل حالة أو حالتين، نتيجة الضغط النفسي الشديد، الحرارة والرطوبة الزائدة، حيث كانت تصدر عن المعتقل أفعال وأقوال غير مفهومة وغريبة.

الخروج إلى الحمام كان يحدث مرتين في اليوم وخلال ثواني معدودة وكان يمنع على المعتقل أن يستخدم الحمام “المرحاض” أكثر من الثواني المخصصة له، ومن لم يستطع قضاء حاجته في الحمام كان يعود “مضطراً” إلى المهجع حيث كانت تتم العملية لا إرادياً عند معظهم …………..

بعد سبعة أيام متالية تمّت المناداة على اسمي من قبل الحراس وتمّ اقتيادي إلى المبنى المخصص للتحقيق، وكان يقع في الطابق السابع، من مبنى مجاور للمبنى الذي كنا فيه، ثم بدأ عمليلة التحقيق الشاقة باستعمال “الكرسي الألماني” في عملية التعذيب حيث تمّ وضعي على كرسي يشبه كرسي “طبيب الأسنان” وقاموا بتثبيت قدمي، أما منطقة الظهر فكانت متحركة وكان يتم ثني منطقة الضهر بشكل معاكس للحالة العادية، مما اضطرني إلى الاعتراف بخروجي إلى المظاهرة…. في اليوم الثاني قاموا بتعليقي من يدي “شبح” لمدة ثلاث ساعات متواصلة، وكنت على ارتفاع أكثر من 50 سم عن الأرض مما كان يسبب ألماً شديداً في منطقة الكتف، ثم بعد أربعة أيام متتالية من الضرب والتعذيب قمت بالتوقيع “التبصيم” على اثنا عشر صفحة فارغة كانت مخصصة لكتابة أقوالي وأخذ إفادتي.

الذي كان يقوم بعملية التعذيب كان أحد العناصر الذين يتكلمون “اللهجة الساحلية” وكان يبلغ طوله حوالي 165 سم وعمره في حدود 38 عاماً، ذو شوارب سوداء ولحية خفيفة وشعر قصير، كان وزنه حوالي 80 كغ وله “كرش” بطن كبير نسبياً، وكان يشاركه في عملية التعذيب اثنان من العناصر يتكلمون لهجة أهل محافظة “دير الزور”.

بعد انتهاء فترة التحقيق قاموا بإعادتي إلى مهجع مختلف وكان يسمى “حديد 1 ” حيث بقيت هنالك 25 يوماً متتالياً وكان المهجع بمساحة 5*3 متر مربع وكنا أكثر من 150 معتقلاً، في تلك الأيام التي قضيتها هنالك شاهدت أكثر من 20 حالة “فصل” وهذيان، وكان هنالك أكثر من 30 معتقلاً كانت التقرحات الجلدية الكبيرة جداً قد نالت ما نالت من أجسادهم وخاصة منطقة الساق “القدمين” كان معظهم قد ظهر عظم الساق وكان واضحاً جداً، وكان هنالك أيضاً مرض يشبه الطفح الجلدي، والعدوى كانت منتشرة بين النسبة الساحقة من المعتقلين وساعد على ذلك التفشي أنّ جميع المعتقلين كانوا شبه عراة إلا من ملابسهم الداخلية، وكانت لهم لحى طويلة جداً وشعر الرأس كان أيضاً طويلاً جداً، من كانت حالته تسوء جداً نتيجة الهذيان أو التقرح الشديد “على وشك الموت” كان يتمّ وضعه في الممر “الكريدور” ……..

كان هنالك يومياً حوالي عشر معتقلين يتمّ وضعهم في الممر ويُتركون للقدر والموت البطيء، ما بين معتقل شارف على الموت نتيجة التعذيب الشديد أو آخر أصابته حالة الهذيان وارتفاع شديد للحرارة أو آخر نتيجة التقرحات التي أكلت من جسمه حتى أصبح “هيكلاً عظيماً” ….. يتبولون في المكان نفسه ويقضون الحاجة في المكان نفسه عائمين على بحيرة من الدماء و”القيح” وشبه فاقدين للوعي، إلا عيونهم كانت مفتوحة ينظرون إلى عيون من يستيطع المشي من المعتقلين، لربما يطلبون منهم إيصال هذه المعاناة إلى خارج هذا المعتقل ..

بعد 35 يوماً بالضبط وبتاريخ 27-10-2012 تقرر نقلي إلى قسم الشرطة العسكرية في القابون حيث بقيت ثلاثة أيام حتى تاريخ 30102012 مع أكثر 90 معتقلاُ تم تحويلنا إلى القصر العدلي ومن تمّ ثم إخلاء سبيلنا تنفيذاً للعفو الصارد من رئاسة الجمهورية.

انتهت الشهادة

3 )) – الشهادة الثالث:

الناشط أبو بكر الزعبي، مدّرس، 44 عام، محافظة درعا:

يقول أبو بكر:

تمّ اعتقالي على خلفية تشابه بين اسمي واسم أحد المطلوبين لجهاز المخابرات العسكرية، حدث ذلك بتاريخ 5-11-2012 على أحد الحواجز العسكرية بمحافظة درعا، ثم قاموا باقتيادي إلى فرع المخابرات العسكرية بالسويداء لبعضة أيام، ثم قاموا بتحويلي إلى فرع المخابرات العسكرية بدرعا، حيث بقيت في المعتقل شهراً كاملاً، وبتارخ 7-12-2012 تمّ تحويلي مع عدد من المعتقلين إلى الفرع 215 الكائن في محافظة دمشق، حيث تمّ إخبارنا أننا متواجدون في سرية المداهمة الكائن في شارع التوجيه السياسي من قبل المعتقلين السابقين.

لم تتجاوز فترة اعتقالي في الفرع 215 أكثر من 20 يوماً إلا أنها كانت كافية بالنسبة لي للتعرف على طبيعة هذا الفرع وخاصة فيما يتعلق بدرجة الوحشية المتبعة في التعذيب أولاً والإهمال الصحي المتعمّد ثانياً والنقص الشديد في كمية الطعام المقدمة للمعتقلين ثالثاً.

فيما يتعلق بالتعذيب، كان التعليق من اليدين “التشبيح” شائعاً جداً في هذا الفرع، حيث كان يتم تعليق المعتقل من يديه على ارتفاع حوالي 50 سم عن الأرض، وكان هنالك عدة عناصر يتناوبون على الضرب بواسطة “بوري بلاستيك” خاص بتمديدات الماء على كافة أنحاء جسم المعتقل وخاصة على منطقة الظهر والقدمين.

الإهمال الصحي كان متعمداً بشكل واضح خاصة لمن دخل متهماً بتهمة السلاح أو ما شابه، حيث لم يكن يُقدم له أي نوع من الرعاية الصيحة ابداً خاصة أن الأمراض الجلدية كانت تلتهم من جسم مئات المعتقلين وكانت تجعلهم يصارعون الموت البطيء، أضف إلى ذلك مرضى “الإسهال المزمن” حيث كان الفرع يشهد عدة حالات وفاة بسبب مرض الإسهال وحده، إضافة إلى العديد من حالات الوفاة نتيجة التعذيب والأمراض الجلدية حيث كان العدد يتراوح ما بين 7 إلى 9 معتقلين يومياً.

وجبة الطعام كانت قليلة جداً، لم تكن تكفي لاسكات جوع المعتقل نتيجة للكمية القليلة التي كانت تقدم، والتي كانت عبارة عن نصف أو ربع ملعقة من المربى في الصباح مع القليل من الخبز، أمّا الغداء فكان عبارة عن القليل من الرز المالح جداً أو بدون ملح ابداً أو بطعمة المازوت، وكانت الرائحة النتنة تملاً المكان حيث كان هنالك 5 حمامات “مرحاض” فقط يتمّ استخدامها من قبل أكثر من 2000 معتقل، وهو مجموع ما كان عدد المعتقلين آنذاك.

بعد مرور عشرين يوماً على اعتقالي تم تحويلي إلى سجن عدرا المركزي حيث بقيتُ ستة أشهر متتالية ليتم اطلاق سراحي بتاريخ 10-6-2013.

كان هنالك شيء ملفت في الفرع 215 سرية المداهمة، ففي حوالي الساعة الثانية عشر ليلاً – أغلب الأيام – كان يتمّ المناداة على عدد من الأسماء من ذوي التهم الخطيرة، وكان معظمهم من محافظتي حمص ودرعا، وكنّا نعتقد أنّه يتمّ إخلاء سبيليهم أو نقلهم إلى أفرع أمنية أخرى، ولكن عند سؤالنا أحد الضباط وكان برتبة مساعد قال بالحرف الواحد أنهم من اصحاب التهم الخطيرة ويتم نقلهم إلى مكان – لم يفصح عنه – حيث يتمّ اعدامهم هنالك.

أيضاً خلال فترة اعتقالي في سجن عدرا المركزي والتي دامت حوالي ستة أشهر، التقيت بأحد المعتقلين وكان يُدعى أبو عبدو، من أبناء محافظة حمص، وكان يبلغ من العمر 45 عاماً ويعمل “كهربجي – كهربائي” وحين سؤالي إياه عن مكان اعتقاله أجاب أنه كان معتقلاً في الفرع 215 سرية المداهمة، وتحديداً في الصالة الكبيرة التي كانت تضم حوالي 1200 معتقل، وحين سألته: هل مازل العدد كبيراً في الصالة؟ فأجاب بالنفي القاطع، موضحاً أنه خلال الشهر الرابع اجتاحت موجة من “مرض الإسهال” الفرع وقضى على أكثر من 600 معتقل، حيث كانوا يموتون دفعات كبيرة بسبب الإسهال المزمن، وكان كل 6 معتقلين منهم يستعملون حماماً واحداً أثناء قضاء الحاجة، وكان هو شخصياً – أبو عبود – يساعد حراس السجن في إخراج العديد من السجناء الذين قضى عليهم المرض.

انتهت الشهادة

4 )) – الشهادة الرابعة: شهادة مساعد منشق:

  • قام مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، بأخذ شهادة مقتضبة لأحد العناصر المنشقة من الفرع نفسه، ويُدعى الرقيب أول: وليد سمهاني، حيث تمّ ترقيته إلى رتبة مساعد – من قبل عناصر الجيش السوري الحر – بعد أن قام بالإنشقاق من قوات النظام، والتحق بأحد الكتائب التي تقاتل في جبل الأكراد باللاذقية، “تمّ أخذ شهادة مقتضبة عبر الهاتف” يقول المساعد وليد:

يحتوي شارع 6 أيار – أو كما يسمى شارع التوجيه السياسي” على العديد من الأفرع الأمنية وخاصة التابعة لشعبة المخابرات العسكرية، فعند دخولك من جهة وزارة التعليم العالي تصادف أولاً من جهة اليمين فرع المنطقة 227 ، تليه الإدارة السياسية، ثم الفرع 217 “القسم الإداري، وهو فرع أيضاً يتبع لشعبة المخابرات العسكرية، ثم يليه إدارة السجلات العسكرية ومن ثم فرع الحاسب، ويليه الفرع 248 وهو أيضاً فرع تابع لشعبة المخابرات العسكرية، ويجاوره “يلاصقه” الفرع 215 أو كما يسمى “سرية المداهمة” وهو يقع تماماً أمام مدخل وزراة الكهرباء وأمام شركة تابعة لآل مخلوف “أخوال الرئيس السوري بشار الأسد”، وهي شركة “الفجر”،ويتألف الفرع من سبعة طوابق، يتم استخدام الطابقين السادس والسابع منه للتحقيق مع المعتقلين، أي عملياً يعتبر مكان للتعذيب والقتل تحت التعذيب، وقد شهدت وسمعت عن الكثير من حالات القتل تحت التعذيب خلال فترة أداء خدمتي، ويحتوي الفرع أيضاً على مركز للاعتقال في الطوابق السفلية ” القبو” وأيضاً يحتوي على قسم خاص بمكافحة الإرهاب.

يرأس الفرع العميد “حسن دعبول” من سكان المنطقة الساحلية، كان هذا الفرع في بداية الثورة يتولى قمع كافة المظاهرات وخاصة في محافظة درعا، ثم تولى بعدها مهمة المداهمات وخاصة في فترة الفجر، استمر هذا الوضع على ما هو عليه إلا أن فوجئنا ذات يوم وفي منتصف العام 2012 بقرار نقل ( 201 عنصر ) من العناصر المشكوك بولائها، وأقولها بكل حرقة، كان جميعهم من الطائفة السنية، حيث تقرر نقلهم إلى سرية حفظ النظام بحرستا بريف دمشق، لم أمضٍ هنالك أكثر من شهرين حتى قمت بعدها بالإنشقاق والإلتحاق بالكتائب المقاتلة التي تقاتل النظام اليوم في ريف اللاذقية وتحديداً منطقة جبل الأكراد.

انتهت الشهادة

الأسباب الطبية لحالات الوفاة الكثيرة – دراسة طبيب مختص

  • تمّ استشارة أحد الأطباء الذين واكبوا الثورة السورية منذ بدايتها وخاص أخبار المعتقلين، ويُدعى الطبيب ( ن، س، أ ) أختصاص طب عام وخريج جامعة باريس، لتبيان أسباب العدد الهائل للشهداء في هذا الفرع، وتم سؤاله بالتحديد عن عملية “الفصل” التي يستخدمها المعتقلون وما التفسير العلمي الطبي لها، يقول الطبيب:

إنّ عدم العناية مطلقاً داخل المعتقل والإهمال الصحي المتعمد والشح الكبير في الأدوية والمعقمات والنقص الحاد في كمية الماء والطعام هي من الأسباب الرئيسية لتنامي عدد الضحايا بشكل جنوني، فالألم بحد ذاته كافي لكي يجعل الإنسان يفقد حياته، حيث أن الألم الشديد يسبب ما تسمى “الصدمة” في المصطلحات الطبية والذي يؤدي إلى الوفاة مباشرة وخاصة خلال عملية التعذيب الشديد، أضف إلى ذلك الخوف والرهبة الشديدين أثناء الضرب وفي المعتقل نفسه حيث يؤدي ذلك إلى ارتفاع نسبة “الأدرينالين” مما يسبب أيضاً الوفاة المباشرة.

  • أمّا بالنسبة للوفاة بسبب التقرحات الجلدية أو الحرارة المرتفعة التي تؤدي إلى الوفاة بعد فترة قصيرة، فيضيف الطبيب:

التقرحات الجلدية وخاصة المزمنة منها تسبب الإلتهابات التي تؤدي بدورها إلى ارتفاع حرارة جسم الإنسان بشكل مضطرد وسريع، وذلك يؤدي إلى فقدان الوعي – وله مراحل متعددة – أو ما يسمى الهذيان، حيث يؤدي ذلك إلى التعرق الشديد الذي يجب تعويضه بالسوائل والسيرومات، ذلك أنه يؤدي إلى الجفاف إذا لم تتم معالجته، ويؤثر بشكل مباشر على الكلية وهو سبب رئيسي للفشل الكلوي ونقص الشوارد، الذي يؤدي إلى الموت الحتمي، وأحياناً أخرى نتيجة لهذه التقرحات فإنّ نسبة الجراثيم والبكتيريا تتكاثر بشكل كبير في دم الإنسان وذلك يؤدي إلى تسرّع كبير في ضربات القلب الذي يؤدي إلى الوفاة مباشرة.

أجرى المقابلات جميعها الزميل: بسام الأحمد

وتمّ التحفّظ على معظم الأسماء لشهود العيان لأسباب تتعلق بأمنهم وأمن عائلاتهم

المقابر الجماعية

لطالما كان هنالك سؤال يحيّر جميع مراكز التوثيق والمراكز الحقوقية بنفس درجة حيرة أهالي المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب الشديد في الأفرع الأمنية المختلفة أو بسبب الأمراض الكثيرة المنتشرة، وعلى رأسهم الفرع 215 سرية المداهمة، كان هذا اللغز حافزاً للفريق الذي اعدّ هذا التقرير لمعرفة مكان أو الأمكنة التي يتمّ فيها دفن جثث من قضى تحت التعذيب، خاصة بعد أن توفرت العديد من الشهادة التي تؤكد أنّه تمّ رصد موقعين يُشتبه بهما كمكان لدفن الجثث والذي ابتلع آلاف من حالات الموت في الأجهزة الأمنية المختلفة.

أجرى مركز توثيق الانتهاكات في سوريا وبالتعاون مع منظمة هيومان رايتس وتش العالمية، تحقيقاً دقيقاً ومفصلاً عن المواقع التي يُشتبه بدفن ضحايا الاعتقال فيها، بعد أن اعتمد على العديد من الشهادات والروايات لعدد من المعتقلين أولاً والذين كشف لهم حراس السجن والضباط انفسهم عن المكان الأول وهو يقع في منطقة “نجها” بريف دمشق، إضافة إلى الاعتماد على شهادة أحد الضباط المنشقين والذي تمّ ذكر شهادته آنفاً.

أمّا المكان أوالموقع الثاني وهي المقبرة المقابلة لمنطقة “الحسينية” وهي تسمّى مقبرة المدينة الجنوبية، أو مقبرة البحدلية، كونها تفصل منطقة البحدلية عن منطقة الحسينية، والتي أصبحت بعد عدة أشهر من بداية الثورة منطقة عسكرية مغلقة بشكل كامل وتمّ منع الدخول عليها، وهي نفس المنطقة التي أفاد أحد الشهود من أبناء المنطقة أنه كان يتمّ فيها عمليات اعدام جماعية.

بعد جمع ومقاطعة وفحص ومقارنة والاستناد إلى العديد من الشهادات حول تحديد الأمكان الدقيقة للدفن، وبعد الإستعانة المباشرة بصور حديثة ملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية تم الوصول إلى المعلومات التالية:

أولاً فيما يتعلق ب :

1 – مقبرة نجها – ريف دمشق

كانت من بين أشدّ التحديات والتعقيدات هو أنّ قوات النظام كانت تستعمل لعملية الدفن الجماعي مناطق جغرافية قريبة جداً من أماكن دفن عادية ومقابر كانت تُستخدم من قبل الجيش عادة كما الحال في مقبرة الشهداء بنجها، مما جعل من تأكيد وجود مقابر جماعية أمراً شبه مستحيل في البداية، إلا أنه وبعد الاطلاع على طبيعة أماكن الدفن وشكل الحفر التي كان يتمّ الدفن فيها، وبعد أنّ أكدّ أهالي المنطقة أن خلال كل عملية دفن كان يتم جلب جرافات ومن ثم تليها وصول “برادات” وهي على شكل شاحنة تشبه إلى حدٍ كبير – أو ربما تكون هي ذاتها – برادات حفظ الفواكه والخضار عادة، كل هذا وذلك أكدّ بشكل شبه مؤكد أن كان هنالك مقابر جماعية في المنطقة المحددة، ثم قبل ذلك كان قد أكدّ العديد من شهود العيان – المعتقلين – الآنفين ذكرهم أو ممن لديهم اطلاع واسع على الموضوع خاصة من نشطاء المنطقة – عدة نشطاء أكدّوا أنه بتاريخ 9-9-2011 تمّ اكتشاف مقبرة في المكان نفسه وكانت عدد الجثثالموجودة حوالي 40 جثة، أومن أهالي بعض المعتقلين الذين وصلتهم معلومات من الفرع 215 نفسه بعد أن دفعوا رشوة معينة، أن العديد من عمليات الدفن تحدث في نجها، ثم تمّ التقاط عدة صور من الأقمار الاصطناعية والتي أثبتت التالي:

1 )) – استعراض للتغييرات في مقبرة الشهدا في نجها بصور الأقمار الصناعية من تاريخ 8 أيلول 2012 وحتى 4 شباط 2013

1 – 1– صورة رقم ( 1 ) موجودة على يسار الشاشة، تم التقاطها صباح 8 أيلول 2012

في مقبرة الشهدا تم حفر خندق كبير بطول 90 متر ما بين 22 آب 2011 و5 شباط 2012 ولم يتم تغطية الخندق في الأشهر التي تلت ذلك.

2 – 1 – صورة رقم ( 2 ) موجودة على مين الشاشة، تم التقاطها صباح 22 ايلول 2012

بين 8 و22 أيلول كان هناك نشاط معتدل مجاور للخندق ويظهر عدة مناطق تعرضت للتغيير ويظهر أيضاً كومتين من مادة بيضاء بقطر 5 الى 9 متر بما فيها من رمل وبحص وكلس ( هذه المواد عادة تستعمل وتساعدة على عملية تحلل سريع للجث المدفونة )

وكان هنالك منطقة أخرى يحتمل أنه تم الحفر فيها على بعد 25 متر تقريباً من الخندق الرئيسي.

3 – 1 – صورة رقم ( 1 ) على يسار الشاشة صورة تم التقاطها صباح 29 تشرين الثاني 2012

تم رصد استخدام آليات ثقيلة في المقبرة لتغطية النصف الجنوبي من الخندق

4 – 1 – صورة رقم ( 2 ) موجودة على يمين الشاشة صورة تم التقاطها صباح 4 شباط 2013

ما بين 29 تشرين الثاني 2012 و4 شباط 2013 تم رصد حفر خندق ثاني بطول 90 متر متاخم للخندق الأول. وفي صباح 4 شباط 2013 تم رصد وجود محتمل لشاحنة تفريغ وجرافة أو آليات ثقيلة مشابهة تتحرك بجانب هذين الخندقين دالاً على الحفر المستمر بشكل شبه مؤكد في المقبرة خلال شهر شباط 2013.

2 – مقبرة المدينة الجنوبية – مقبرة البحدلية – ريف دمشق

جغرافياً تقع على بعض عدة كيلومرات باتجاه الشمال عن مقبرة الشهداء بنجها، وتقع تحديداً أمام منطقة الحسينينة، المجاورة لمنطقة الذيابية، من حيث التحقيقات التي كنا نريد من خلالها اثبات إنّ هذه المنطقة تحتوي على مقابر جماعية، فإنها كانت تتسم بالسهولة نسيباً مقارنة مع التحقيق حول المقابر الجماعية الموجودةبنجها، ويعود السبب في ذلك إلى عدة نقاط إيجابية:

1 – أنّ المكان الذي تمّ فيه دفن آلاف الجثث يبعد قليلاً عن المكان المعتاد لدفن الموتى العاديين، أي المقابر التي يستخدمها المواطنون عادة.

2 – إغلاق المنطقة من قبل قوات النظام، ووضعها تحت حراسة أمنية مشددة، مما أوجد عند سكان المنطقة شكوك حول أعمال مريبة تحدث هناك، خاصة حفر سود حوال المقبرة ووضع مواقع “مرصد” مراقبة حول المقبرة كلها.

3 – عدة شهادت اتسمت أغلبها بالدقة وخاصة عندما أكدّ أكثر من مصدر أنّه في أواخر شهر أيلول وبداية شهر تشرين الأول 2012 وتحديداً في فترة العصر، دخلت شاحنتين “برادين” إلى المقبرة، وتمّ دفن مئات الجثث التي كانت متجمعة في البرادين، حيث تمّ رصد الحادثة من بعيد، ذلك أنّ قوات النظام كانت قد منعت الاقتراب من المقبرة نهائياً وأغلقت جميع الطرق المؤدية من وإليها ووضعت حواجز عسكرية، ثم تلى كل ذلك دخول الشاحنتين المحملتين بمئات الجثث.

أمّا صور الأقمار الاصطناعية فقد أكدّت النتائج والحقائق التالية:

2 )) – استعراض للتغييرات في مقبرة البحدلية بصور الأقمار الصناعية من تاريخ 8 أيلول 2012 وحتى 4 شباط 2013

  • 1 – 2 – صورة تم التقاطها صباح 16 تموز 2012

– ابراج مراقبة على محيط الجدار أقل من مترين / – حقول عشبية داخل سور المقبرة

– مناطق محتملة لتغيير في الأرض تتوافق مع احتمال مقابر جديدة / – مواقع المقابر السابقة منذ 2011

2 – 2 – صور تم التقاطها صباح 4 آب 2012

ما بين 16 تموز و4 آب 2012 توسعت المنطقة المشتبه في تعرضها للحفر بزيادة قدرها 600 متر مربع تقريباً بما يتوافق مع إقامة مقابر جديدة

كما وتبين الصورة مجموعة من آليات صغيرة متعددة “سيارات” طولها أقل من 4 متر، وذلك في صباح 4 آب، ووجود هذه السيارات يتوافق مع الدلالة على وجود جنازة أو مراسم دفن في المكان والزمان نفسه.

– 3 – 2 – صورة تم التقاطها صباح 28 آب 2012

مابين 4 و 28 آب 2012 توسعت منطقة الحفر المحتمل بمساحة 300 متر مربع بما يتوافق مع مقابر جديدة

استمرار الحفر والتحركات وأكوام التراب والحصى (مواقع غير محتملة للدفن)

4 – 2 – صورة تم التقاطها صباح 8 ايلول 2012

مابين 28 آب و 8 أيلول 2012 توسعت مساحة الحفر المحتمل بسماحة 700 متر مربع بما يتوافق مع احتمال دفن جديد

احتمال زيادة معتدلة في عدد المقابر بين 28 آب و 8 أيلول 2012

5 – 2 – صورة تم التقاطها صباح 22 أيلول 2012

ما بين 8 و 2 أيلول 2012 لم يكن هناك مؤشر على عمليات حفر

عملية حفر محتملة بمساحة 120 متر مربع ما بين 8 و 22 أيلول 2012

6 – 2 – صورة تم التقاطها صباح 29 تشرين الثاني 2012

احتمال وجود آلية حفر صغيرة بطول 5 -6 متر قريبة من مواقع حفر جديدة محتملة

فوهات ناتجة عن قذائف هاون محتملة

مابين 22 أيلول و29 تشرين الثاني 2012 توسعت المساحة الكلية للحفر بشكل كبير لأكثر من 2100 متر مربع

استمرار الحفر وأكوام الرمل والحصى (مواقع غير محتملة للدفن)

7 – 2 – صورة تم التقاطها صباح 4 شباط 2013

مناطق حفر محتملة ضمن مساحة 100 متر مربع مابين 29 تشرين الثاني2012 و 3شباط 2013

الخلاصة والنتائج

1 – استناداً إلى أقوال شهود العيان، فإن الفرع 215 سرية المداهمة والاقتحام – دمشق، مسؤولة عن آلاف حالات القتل خارج نطاق القضاء نتيجة أـسباب مختلفة.

2– أكدّت جميع الشهادات وبشكل لا يسمح بالشك، أنّ جميع المعتقلين تعرّضوا للتعذيب الشديد والممنهج بأبشع الاساليب وأغربها في الفرع 215 ، مما تسبب في وفاة مئات الأشخاص موتاً تحت التعذيب.

3 – الإهمال الغذائي وعدم ملائمتها للشروط البدائية الصحية سبب العديد من الأمراض ومنها: الإسهال الشديد الذي حصد مئات الأرواح.

4 – الإهمال الصحي المتعمّد وخاصة لمن كانت تهمته مرتبطة بالسلاح أو ممن كانوا يطلق عليهم – أصحاب الحالات الخطرة – كان سبباً في وفاة المئات وبالتحديد ممن أصيب بالتقرحات الجلدية المزمنة، أو ممن كان يُطلق عليهم “حالات الفصل” الهذيان.

5 – بحسب اثنين من الشهود واستناداً إلى كلام أحد الضباط والذي كان برتبة مساعد، فقد شهد الفرع 215 عشرات حالات الإعدام وخاصة من أبناء محافظتي حمص ودرعا.

6 – وفقاً لجميع شهود العيان والذي قابلهم مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، أنّ عدد الذين استشهدوا تحت التعذيب أو بسبب المرض بلغ أكثر من ثلاثة آلاف ضحية.

7 – يتمّ نقل جميع الموتى أو من هم “على حافة الموت” إمّا إلى مشفى ( 601 ) بالمزة أو إلى “مشفى تشرين العسكري” في برزة، ومنه إلى مقابر جماعية في منطقة نجها بريف دمشق أو البحدلية كما يُعتقد.

8 – عمليات الدفن التي تتم في تلك المناطق، تتم تحت إشراف وسرّية تامة من قوات الجيش والأمن السوري، ويتمّ جلب الضحايا على دفعات لم نتكمن من تحديد رقم واضح لعدد معين خلال الدفعة الواحدة.

التوصيات

1 – يناشد مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، جميع المنظمات والهيئات الدولية والقضائية، فتح تحقيق عاجل للإطلاع على حقيقة الانتهاكات التي تحصل وحصلت في شعبة المخابرات عموماً والفرع 215 سرية الاقتحام والمداهمة خصوصاً.

2 – يتوجب على منظمة الصليب الأحمر الدولية التقدم بطلب عاجل لحكومة النظام السوري، لتفقد أوضاع المعتقلين في أماكن الاحتجاز السرية، وخاصة ممن تتبع لشعبة المخابرات العسكرية وعلى رأسها الفرع 215 سرية المداهمة والاقتحام.

3 – التحقيق في الانتهاكات البشعة داخل الفرع 215 تقع ضمن ولاية لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول الجمهورية العربية السورية، وعليه نطالب اللجنة المحاولة بكل السبل المتاحة ادراج الانتهاكات التي تحدث بحق المعتقلين ضمن التقرير المرتقب القادم.

4 – يُفترض على الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة الضغط وبكافة الوسائل الدبلوماسية المتاحة لفتح تحقيق حول الجرائم التي تتم على يدّ عناصر الأجهزة الأمنية وعلى رأسه جهاز المخابرات العسكرية في سوريا.

5 – مجلس حقوق الإنسان وكأحد الهيئات الأممية، مُطالب بوضع قضية المعتقلين من قبل النظام السوري على رأس اولوياتها، والضغط على مجلس الأمن الدولي لتحويل الملف السوري برمته إلى محكمة الجنايات الدولية.

شكر وتنويه

يتقدّم مركز توثيق الانتهاكات في سوريا جميع من كان له الفضل في العمل المضني الذي أفضى إلى إخراج هذا التقرير بحلته الحالية، ويخصّ بالشكر جميع شهود العيان الذين عرّضوا حياتهم للخطر من أجل إيصال المعاناة التي يعيشها المعتقلون داخل الأقبية الأمنية، وأيضاً نخصّ بالشكر العميق منظمة هيومان رايتس وتش العالمية على تزويدهم مركز توثيق الانتهاكات في سوريا جميع الصور الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية.

ونذكّر في الوقت نفسه أنّه يمنع منعاً باتاً استعمال أو الاستشهاد بالصور بمعزل عن جسم التقرير، وعند الحاجة الماسة إلى إحدى الصور الملتقطة بمعزل عن التقرير فإنّه يتوجب الحصول على موافقة خطية من إدارة مركز توثيق الانتهاكات في سوريا قبل نشر أي صورة.

المصدر: مركز توثيق الانتهاكات في سوريا

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,309,232 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: