نظام الأسد, تحليلات وتقارير

شرف الذكورة يهزنا أيضاً… بين حازم وروان، موروث قيمي يحتاج إلى ثورة


روان قداح

روان قداح

هذه المرة لم يقم (السيدالرئيس وزوجته) كما فعلا سابقاً، بزيارة الضحية، فقبل الثورة، تم اغتصاب طفلة حلبية لم يتجاوز عمرها ٥ سنوات، فما كان من (السيد الرئيس وزوجته) إلا أن قاما بزيارة عائلتها، وإهدائها دراجة، ضمن ضجة إعلامية واسعة افتعلها الإعلام الرسمي، ونسقت لها شركة العلاقات العامة التي تعنى بصورة الزوجين الحضاريين المتحابين، الآن أصبح يؤتى بهم إلى مقر التلفزيون، فالرئيس لم يعد قادراً على زيارة ضحاياه في طول البلاد وعرضها.

على ذات الكرسي وقبلها بيوم ظهر “حازم حريري” طالب السنة الثالثة بكلية الحقوق، ليعترف بما لم يرتكبه من جرائم، الشاب الحلبي الذي أوضحت المعلومات عنه فيما بعد أنه قد تم اعتقاله من دمشق قبل عدة أشهر على أحد الحواجز لأنهم عثروا في جواله على مقاطع من أغانٍ ثورية، هذه التهمة التي انقلبت على شاشة النظام لتصبح عمالة وتآمراً وانتماء لجبهة النصرة، بل وأكسبته تلك الشاشة فرصة لقاءات متعددة مع أبي قتادة.

على ذات الشاشة والكرسي ظهرت الطفلة الحورانية “روان” قداح لتروي أيضاً عبر دقائق قاتلة شهادة مفبركة عن الحبكة الأقرب لذائقة العقل الأمني لتلفزيون النظام “النكاح”.

بأعوامها الستة عشر استطاعت روان كما حازم أن تثبت من خلال أدائها، طريقة الإلقاء، وحركات جسدها وعينيها ما اقترفته الأيدي الأمنية خارج الكادر من تلقين وتعذيب نفسي وربما جسدي، أوصل الضحيتين لسرد أبشع الكلمات والمواقف التي لا يمكن لعقل بشري تخيلها…ولــكن.

في بلد كانت تسجل فيه – قبل الثورة- أكثر من 300 جريمة شرف سنوياً، لا غرابة أن يكون جسد الأنثى هو بوصلة الشرف الأولى، و لا غرابة أيضاً لهذا التباين في ردات الفعل والتعاطف ما بين الضحايا، ولا غرابة أيضاً أن لا تثير قصة الشقيقتين ميسا صالح المعتقلة منذ عدة أشهر في أقبية النظام وسمر المعتقلة لدى “داعش” بعد أن تم جرها من شعرها وسط مرأى من الأهالي أي اهتمام أو تعاطف، وأخريات وأخريات وآخرين.

محمد رستم…ضحية مرتين

في التاسع و العشرين من أيار عام 2011، وخلال توجه حافلة تقل عدداً من أطفال مدينة الرستن برفقة الملازم بسام طلاس إلى مدرستهم في حمص، قام الحاجز العسكري الذي يرابط على جسر مدينة تلبيسة بإطلاق الرصاص على الحافلة، جرح عدد كبير من الأطفال وقتل آخرون منهم الطفلة هاجر الخطيب إضافة للملازم طلاس، يومها كان الشاب محمد محمد الرسو المعروف ب “محمد رستم” يعمل على إنقاذ المصابين حين تم خطفه من قبل سيارة إسعاف بعد أن استهدفوه بالرصاص ليختفي أثره لثلاثة أسابيع.

بعدها بمدة وجيزة ظهر على شاشة قناة “الدنيا” وقدم شهادات مفبركة عن مسؤوليته مع “إرهابيين” آخرين عن الجريمة، يومها لم يجلس محمد على كرسي الإعدام المخصص في تلك الاستديوهات، بل على سرير المشفى بجراح مضمدة وبجسد أثخنته جراحه..لم تنته هنا مأساة الأب الثلاثيني.

ففي ( 14/6/ 2011) ، عاد “الإرهابي” إلى زوجته وأطفاله جثة هامدة تظهر عليها آثار التعذيب، و تظهر كذلك آثار عدة عمليات جراحية قد أجريت له لاستئصال أعضائه.

تقول الدكتورة خولة حسن الحديد الباحثة في العلوم الاجتماعية و النفسية أن قصة ابن مدينتها لم تأخذ حقها من الاهتمام أو حتى التعاطف رغم أنها تمت منذ الأشهر الأولى للثورة، وقتها كان من المفترض أن تهز هكذا قضية الرأي العام ، وتعزو ذلك مقارنة بمأساة روان كونها هذه تمس “شرف” المجتمع وتجرح كبريائه.

وتقول: “التعاطف الكبير الذي أبداه الناس مع روان ينبع من الجذور الاجتماعية والدينية وجزء من صورة المجتمع عن نفسه، وتضيف: “برأيي المجتمع لم يدافع عن روان بل انبرى للدفاع عن صورته وشرفه المنتهك، الدفاع عن روان لم ينطلق من منطلق إنساني بحت، وإلا لكان محمد رستم وغيره كثر قد حازوا على ذات التعاطف، المجتمع انفعل مع قضيتها بشكل قطيعي أكثر مما دافع عنها”، وترى بأن مجتمعنا ما زال ظاهرة صوتية تنفعل ولا تفعل ولا تتفاعل كذلك.

كبرياء الجسد…المطعون

منذ انطلاقة الثورة لجأ النظام -عن طريق أزلامه وشبيحته وإعلامه- للاغتصاب في المعتقلات أو أثناء الاقتحامات كما عمد جاهداً لإلصاق هذه التهمة بالثوار، وفيما بعد تبنى ما أطلقته قناة “الميادين” حول جهاد النكاح كوسيلة للخضوع وإذلال الجسد الاجتماعي للثورة في محاولة لإعادة السوريين لبيوتهم، أو للإمعان في إذلالهم.

لم ينجح النظام في إيقاف بركان الثورة، لكن إلى أي مدى نجح في طعن الكبرياء الاجتماعي؟

يقو ل البروفسور بسام العويل الأخصائي النفسي والباحث السيكيولوجي في جامعات بولندة: “المجتمع السوري خصوصا والشرقي عامة هو مجتمع يمتلك ثقافة ذكورية، المرأة فيها خاضعة للرجل، وفي قضية روان والقضايا المشابهة فإن النظام استغل هؤلاء الفتيات واستغل المجتمع بآن معاً، وقام المجتمع فيما بعد وبطريقة لاوعية باستغلال روان مرة أخرى لإظهار مدى اهتمامه بالشرف، في الوقت الذي يقف عاجزا أمام الدفاع عن شرفه وكرامته في مواضيع أخرى”.

أما لماذا لم يتعاطف الناس كما يجب مع جرائم أخرى لا تقل فداحة عن هذه فيرى بأن: “هناك قضايا استهلكت لم يعد يصدقها حتى المؤيدين أنفسهم، بينما مجرد إثارة موضوع جنسي سيحرك خيالات معينة لدى المجتمع الذي يختزل قيم الشرف بجسد الأنثى تحديداً، ولهذا ستبقى قضية كجهاد النكاح تلقى الصخب الإعلامي مهما تقادمت أو تعددت الروايات والشهود”

حازم..حكاية لم تُحكَ بعد

على صفحته في “الفيسبوك” كتب شقيق حازم: “ضج الجميع لروان و كتبوا لها الملاحم و رفعوا الأصوات .. فنحن قوم جاهزون دوماً لرثاء شرفنا الضائع المتمثل في فتاة مستضعفة تم استغلالها وليش شرفنا الحاضر في عيني شاب عشريني صامد كحجر الصوان ، عذراً حازم استنى ست شهور تانيين وحاول تضل عايش أو بس صار قصتك فيها نكاح ابقى خبرنا ونحنا فوراً منعبيلك الدنيا حملات”.

تعكس كلمات الأخ المفجوع حجم الإحساس بالمرارة والخذلان لدى هذه العائلة، وتحكي كلماته ربما حكايات أخرى مازالت لم ترو بعد عن الرجل السوري المطعون عميقاً في رجولته بل في إنسانيته دون أن تتسنى له القدرة على التعبير.

يقول سليم قباني أحد النشطاء الذين تم اعتقالهم وتقديمهم على ذات كرسي الأكاذيب أوائل الشهر الثامن 2012 بأن التمييز الحاصل في الدعم والتعاطف يترك ندبات على نفسية المعتقل الشاب، وعن تجربته يقول: “لم يتعاطف معي إلا أصدقائي والمقربون، بعد خروجي شعرت بالإحباط والخيبة لاسيما وأن البعض اتهمني بالخيانة وصدقوا ما جاء في اعترافاتي التي أجبرت عليها، الأمر الذي دفعني بداية للشعور بالندم لانتمائي للثورة” ويضيف: “أكثر من شهر لا أتكلم مع احد ولا أستقبل أحدا ولا أخرج حتى من المنزل”

ويرى قباني أنه، بغض النظر عن جنسها، تحتاج الضحية للدعم والتعاطف أكثر مما هو حاصل في الثورة لاسيما المعتقلين، ولدى تكرارنا السؤال أليس الشاب أقوى من الفتاة ويمكنه الاحتمال أكثر على الأقل من الناحية الاجتماعية يقول: “من المؤسف أن المجتمع يجبر الرجل على التظاهر بالصلابة، مع أن الرجل يتعرض داخل المعتقل لعذابات جسدية ونفسية مهولة تحتاج ليس للتعاطف فحسب بل للعلاج مستقبلاً كي تتمكن الضحية من مواصلة الحياة”.

ويرى بأن المجتمع السوري غير قادر بعد على التفهم أو التعاطي أو التصريح عن حالات الانتهاكات النفسية والجسدية الكثيرة التي تتم في المعتقلات، سواء للمرأة أو للرجل، وإن كان بالنسبة إليه التعامل مع المرأة هو الأصعب كونها تفقد “شرفها”

وحتى حملات التعاطف مع المغتصبات فبرأيه أنها مجرد حالات “فيسبوكية” وإعلامية فقط يتغنون فيها بأن كل مغتصبة هي أختهم وتشرفهم لكنهم على أرض الواقع يشيرون إليها من بعيد يتهامسون “كانت في المعتقل وأكيد اغتصبوها”.

يشار إلى أن سليم قباني قد تم اعتقاله مرتين، وخرج في كلتيهما بعد دفع مبالغ مالية طائلة بلغت أكثر من 14 مليون ليرة سورية.

الجسد المسحول وقيم السوريين الجديدة

روان ضحية جديدة (للايكاتنا)!! هكذا يعنون الصحفي إياد عيسى مقاله المنشور في موقع “أورينت نت” و الذي ينعي فيه ضعف آليات الدفاع لدى المعارضة وتمييعها للقضايا المحقة يقول: “اعترافاتها المُهينة للعقل البشري والكرامة الإنسانية، سقطة أخلاقية، تُحدث زلزالاً في الرأي العام العالمي، لدى جهابذة المُستعرضين، عيارُها (بوست) فيسبوكي، خطبة عصماء على فضائية ما، بيان أشبه بخرقة لتنظيف الأنف، أيام وتنتهي حفلة اللطم، تلتحق روان بسارة العلاو وزينب الحصني، وغيرهما إلى عالم النسيان”.

يلتقي قلم الصحفي مع بحوث الأخصائيين النفسيين والتربويين لتقديم صورة عن آليات الدفاع المهترئة لدى المجتمع، يقول الدكتور بسام العويل “كان من المنتظر أن تفسح قضايا هؤلاء الفتيات المجال لاستغلالها في كشف عورات المجتمع الذكوري، وتسوية مكانة المرأة الحقيقية في المجتمع، بدلا من التعامل معها بانفعالية لحظية، انفعالية تقاوم الثقافة المنحطة للنظام بتسويق فيديوهات وأخبار مشابهة عن نسائه”.

بينما ترى الدكتور خولة الحديد: “في المجتمعات الفاعلة لابدّ للنخب المثقفة ومؤسسات المجتمع المدني أن تُصرَّ على رفض تسييس القضايا الإنسانية و محاولة ترك شعرة بين الاجتماعي و السياسي، رغم تأثرهما و تأثيرهما وتداخلهما أحياناً، ووفقاً لها فإن القضايا الاجتماعية إن تم تسييسها تسبب دمارا اجتماعيا كبيرا كقضايا الطفل والمرأة والتعليم”.

أما عن آليات الدفاع الصحيحة فترى الحديد: “يجب أن يتم رفع دعوى قضائية ضد وسائل إعلام النظام، والتحرك الجدي مع منظمات حقوقية و دولية إقليمية لمتابعة هذه الملفات” وتسأل: ماذا فعلنا لزينب الحصني وسارة العلاو؟ وهل يعرف أحد اليوم مصيرهما أو مصير عائلتيهما؟ وتضيف: “يبقى الأهم العمل على إنقاذ الضحايا الأخريات المنزويات في المخيمات، أو الداخل اللواتي لا يتجرأن على البوح بما أصابهن، وعلاجهن ثم إعادة دمجهن بالمجتمع، بالإضافة لمواصلة العمل على جانب التوعية والتثقيف والاعتراف بالأمراض الاجتماعية الموجودة مسبقاً والطارئة لبناء قيم جديدة للمجتمع ترمم الهشاشة الموجودة فيه”.

أما عن القيم الجديدة التي يرى الدكتور العويل: أن على المجتمع السوري تبنيها واستبدالها بتلك الانفعالية المهترئة فهي تتمثل تماماً في ما قاله ذلك الرجل المسحول، بجملته المكثفة التي قاوم عبرها الثقافة المنحطة لجنود النظام “هي مرتي تاج راسي” مع الإقرار بأن عملية بناء القيم هي عملية تراكمية تحتاج لزمن طويل.

كي لا نستغل أنفسنا مرة جديدة تفنن نظام الأسد في ارتكاب مختلف صنوف الجرائم وعلى الهواء مباشرة، لكن المجتمع السوري الثائر رغم كل طاقاته لم تستفزه إلا تلك التي عاينها صوتاً وصورة، ربما لأنه وقف من خلالها وجهاً لوجه أمام عجزه طيلة خمسين عاماً من الصمت والكرامة المغتصبة.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى وجود تحول في التعاطي مع قضايا الإنسان “الضحية والمغتصب/ة” خلال الثورة، لكن بعض الأخصائيين يعتبرون أن هذا التحول ما زال نخبوياً معزولاً إلى حد بعيد، سيما أن لا إحصائيات دقيقة توثق عدد المطعونين في كراماتهم، ويأمل الباحثون أن يكون هذا التحول على صعيد الأفكار والسلوكيات وليس فقط على صعيد التعاطف والشفقة، بل فتح بابا للأمل بأن الثورة السورية قد غيرت فعلاً ذهنية المجتمع في التعامل مع الجسد لاسيما لدى المرأة، والتركيز على كونها إنسانا لا مجرد مرآة لشرف واهٍ سهل العطب.

حازم الحريري

حازم الحريري

المصدر: جريدة زمان الوصل

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,303,438 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: