مقالات مختارة من الصحافة, مواقف الدول الأجنبية, نظام الأسد, تحليلات وتقارير

مخاض العالم على هامش المذبحة السورية . . بقلم: غازي دحمان


كاريكاتير أطفال سوريا

العجز عن المبادرة، وفقدان الطرف الدولي القوي، يفرضان على مقاربات الأزمة السورية أخذ طابع التجريب بما يستتبعه من ضرورة انتظار تظهير النتائج، وضرورة تحريك عناصر التجربة وخلق المناخات المناسبة لنجاحها، بوصفها تجربة وحسب، من دون الاهتمام بما إذا كان المنتج الذي ستفرزه ستكون له فعالية مناسبة لعلاج الإشكالية الأساسية.
كل ما يحصل في محيط الحدث السوري لا يعدو كونه تمارين ذهنية تجريبية في حقل العلاقات الدولية، مرة بقصد تجريب تعديل ميزان القوى العالمي، ومرة تجريب حالة الابتعاد عن الانخراط المباشر بإدارة الأزمات، وقد يأخذ التجريب شكل توريط قوى بعينها في الحدث وإظهاره على أنه إنجاز استراتيجي. وفي ظل هذه المناخات عادة ما يجري الحديث عن شخصيات عبقرية تحرك خيوط الأزمة، أكثر من الحديث عن أدوار الدول، إذ ليس مصادفة أن يسطع نجم سيرغي لافروف ويتحول من دبلوماسي برطانة أيديولوجية خشبية إلى براغماتي محترف.
على أن ذلك يجب أن لا يغيّب حقيقة أن المنظومة العالمية بدأت تنفك عن عقيدتها وعقدها الأساسي الذي تأسس عشية الحرب العالمية الثانية، بتراتبية قواها، وكذا القانون الناظم لسير العلاقات الدولية والقائم على مسؤولية حفظ الأمن والسلم الدوليين، ودور الدول الكبرى في هذا الإطار،  وتعيد تشكيل ذاتها وفق مقاربة جديدة خلاصتها أن مروحة عناصر المشاكل العالمية صارت أكبر من قدرة دولة أو مجموعة دول على حملها أو التصدي لها، ذلك أن بيئة الصراع العالمي طوّرت نمط عملياتها على مدى سطح أوسع بفضل التشابك والتعقيد الذي باتت تتميز به أنماط التفاعلات البشرية، وأن الأفضل هو الاتجاه بدل ذلك إلى نوع من التخصصية، بمعنى الاكتفاء من أي حدث عالمي بالعناصر التي تخص طرف ما وترك الباقي يتفاعل بالطرق المناسبة دون إزعاج.
تثبيت هذه القاعدة جرى يوم أطفأت البوارج الأمريكية محركاتها قبالة السواحل السورية على وعد أن يتم تسليم السلاح الكيماوي الذي قد يستهدف إسرائيل، العنصر الأهم في معادلة الحدث السوري، دون التدقيق بمدى انعكاس هذا الأمر على بقية العناصر المدمرة في الأزمة السورية، من نوع استمرار نظام الأسد بقتل مواطنيه بكل أنواع الأسلحة، وترجمة تلك القاعدة جرى لحظة لقاء كيري- نتنياهو فور الانتهاء من التفاهم مع روسيا حول هذه الصفقة، وكأنه يقول أخذنا حصتنا وليأخذوا بعدها ما يريدون.
الرئيس اوباما حاول تمرير ما يندرج تحت نظرية العناصر هذه باستراتيجية الأهداف، بدل استراتجية الخطوط الشهيرة، في مقابلة أجرتها معه قناة تلموندو الناطقة بالإسبانية حيث يرتكز الهدف الاول على”إخراج الأسلحة الكيميائية من سوريا حتى لا تتمكن أي جهة من استخدامها”، ثم الهدف التالي هو “العمل مع جميع الأطراف، ومنها الأطراف التي تدعم النظام السوري كروسيا لنقول: “يجب أن نضع حداً لهذا”. مضيفاً أنه” سيجري التعامل مع الأهداف بالتدريج بحيث يجري التركيز على هدف واحد في آن”. بالطبع يدرك اوباما أن إنجاز كل هدف من تلك الأهداف يتطلب ظروفاً ومناخات مناسبة لا يستطيع أحد التقدير باستمرار انسيابية سهولة تحقيقها، كما يدرك أن المسافة بين تحقيق هدف وأخر تحمل في طياتها تضاعف نكبة السوريين وتشرذم دولتهم.
على الجانب الروسي، كانت تطبيقات النظرية تبدو أكثر وضوحاً، إذ أن موسكو بنت قضيتها في الحدث السوري على أساس التركيز على إحداثيات معينة ، مثل التأكيد على مسألة الأمن القومي الروسي المهدّد بقرب سورية الجغرافي واحتمال أن يؤدي انهيار الدولة السورية إلى ضياع المخزون الكيماوي ووصوله إلى بعض مناطق القوقاز. أما العنصر الجديد الذي حاولت الدبلوماسية الروسية إظهاره في الأزمة فهو الابتعاد عن الديماغوجية والتركيز على الإحساس بالمسؤولية، وكان ذلك في صلب مقالة بوتين للأمريكيين في النيويورك تايمز، وفي ثنايا جل تصريحات الخارجية الروسية.
باستثناء تلك العناصر، لا يمكن العثور في نص الاتفاق الكيماوي على ما يشتبه به أنه يمثل أساساً لحل الأزمة التي قتلت عشرات الألاف من السوريين وشردت الملايين منهم، ولا عن مستقبل التعايش في هذا البلد، حتى مؤتمر جنيف2 في ظل هذه الصياغة لن يعدو كونه محاولة لترسيخ ما سبق التفاهم عليه، أمن إسرائيل وأمن روسيا. الأمر الوحيد المقدر له أن يرى النور هو الاتفاق على إدارة هذا الصراع وضبط مفاعيله كي لا تتطور إلى ما هو أبعد من ذلك.
ما يعزز هذا التحليل واقع الأزمة السورية نفسها، فهي تكرست بحيث أصبح حلها يحتاج وجود إرادة دولية وأثمان تفوق ما هو مطروح الآن، ذلك أن حل المشكلة يتطلب نزع ديناميات الصراع التي صارت متغلغلة بشكل كبير في الجسم السوري، جغرافياً وديمغرافياً، وبات الوصول إلى حل سياسي مستقر يتطلب وجود قوات حفظ سلام وإشراف دولي على إعادة صياغة النظام السياسي بحيث يستوعب كل المكونات السورية فضلاً عن إعادة إعمار البلد، وهذا الأمر غير مطروح الآن في أي مشروع سياسي حقيقي، كل ما توفر حتى اللحظة هو مجرد حلول نظرية لا حظوظ لها في التطبيق على الأرض نتيجة وجود عوامل طاردة لإمكانية تحقيقها، كتشكيل حكومة انتقالية تعمل على نقل السلطة بشكل سلمي!.
الواقع أن العالم يتجه إلى إعادة صياغة التركيبة الدولية من جديد، بحيث تسعى أميركا إلى إدخال بعض القوى لتولي بعض مهام الشرطي العالمي التي أنهكت الغرب الأمريكي، الذي يسعى في هذه اللحظة إلى ترميم وضعه الاقتصادي والالتفات إلى هذه المسألة باعتبارها الميزان الحقيقي لتقرير قوة الأمم وفاعليتها، وباعتبارها الداعم الأساسي لكل عناصر قوة الدول، أما روسيا التي تتمتع ببعض الفوائض النفطية فإنها تسعى لان تكون طرفاً له صوت في مجلس الأمن شرط أن يتم ذلك بالإقناع الدبلوماسي وتكتيكات الخداع، دون الاستعداد للعودة إلى مناخات الحرب الباردة ومستلزماتها وأدواتها.
ليس أكثر من خليط تجريبي تجريه القوى العظمى ، أما الواقع فهو أن العالم بات بلا مرسى وإن بقيت عناصر النظام الدولي محتفظة بقواعدها التقليدية، وربما هذا ما يزيد الأمر سوءاً.

غازي دحمان

المصدر: موقع البديل

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,316,745 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: