مقالات مختارة من الصحافة, تحليلات وتقارير

إسلام “المستر بين” والحاد مسلم . . بقلم: د. أسعد الصالح


مستر بين

قال لي مرة سائق تكسي وكان ينقلني من البيت الى المطار:

ان مدينتنا آمنة كثيرا. قلت له مازحا: ستكون اكثر امانا بعد ان اغادرها !

في آخر رحلة سفر،الشهر الماضي (ايلول 2013) اتصلت بشركة التكسي لنقلي الى مطار مدينة سولت ليك للسفر الى ولاية مشغان. صاحب التكسي عرف اني سوري فصار يظهر لي الاسف على ما يحدث في سوريا، وهذه ردة فعل ربما رآها كثير من السوريين المغتربين.

ولاني احب الحديث مع الغرباء سالته ايضا عن نفسه فقال كلاما يهز الوجدان. اصله ايراني هاجر الى امريكا منذ فترة طويلة. لكنه قال لي انه كفر بالاسلام الذي يتخذونه وسيلة للحرب والسيطرة في ايران وفي العراق وفي البلاد العربية بشكل عام. قلت له استغلال الدين ظاهرة معروفة لكن الدين نفسه بريء منها. عارضني وقال الدين نفسه يشجعهم على ذلك. تناقشنا في هذا الموضوع. مما قلته له: لو فرضنا انني ارتكبت جريمة وانا استاذ جامعي (وقد عرف ذلك) هل يعني هذا ان يمتنع الناس عن الذهاب الى الجامعة؟

سائق التاكسي الايراني لم يعجبه ان الخميني صار شخصية مقدسة تحكم بلدا كان يعيش الناس فيه بشكل طبيعي. هو لا يثق بمن يستخدم الدين لجعل الناس تذعن لنظامه او يستخدم الدين ليحارب جيرانه. قال لي اكثر من مرة: انظر الى امريكا وكيف ان النظام يجري بالمساواة على الجميع دون ان يُجبر احد على اي شيء يتعرض لحريته او كرامته. المهم في آخر المشوار اتفقنا انا واياه ان نركز على العلاقة مع الله وليس مع من هم دونه ممن يتكلمون باسمه سواءا كانوا افرادا او مؤسسات دينية او انظمة. فاجاب: اذن انا مؤمن بالله وتكلم كلاما جميلا.

طبعا السؤال الذي يفجر نفسه تفجيرا، كم من الناس ترك الاسلام او كره الاسلام بسبب تصرفات من يتكلمون باسم الدين ويفسرونه على هواهم دون حكمة ولا موعظة حسنة؟هناك كثير من الايرانيين المثقفين وغيرهم تركوا ايران بعد حكم الخميني وهاجروا الى الغرب. لكنهم ايضا–بسبب الموقف النفسي الخاطئ–تركوا الاسلام ايضا بسبب حقدهم على نظام الحكم في ايران.

منذ يومين انتشر خبر كاذب وهو ان الكوميدي البريطاني “مستر بين” اسلم. وهذا خبر من ألفه يستهزء بعقول المسلمين لانه يعرف انهم سيصدقون كل ما يقال لهم دون ادنى تمحيص. مستر بين لو اسلم لسمعت بريطانيا بذلك قبل وسائل الاعلام العربية التي تاتي متاخرة في نقل اي خبر عالمي واحيانا تسرق التقارير العالمية وتصوغها باسمها. وقد صدق الملايين منهم الخبر فعلا، ونشره الاعلامي فيصل القاسم على صفحته، رغم ان بامكانه التأكد من لندن ولكنه لم يفعل.

صار عندنا هذه القاعدة المحطمة للوعي: المهم هو الخبر وليس المهم صدقه او كذبه. لن يكون “مستر بين” آخر من اسلموا بالاشاعة وليس اولهم. منذ سنوات عديدة شعرت بالاحراج عندما قرأت رسالة رائد الفضاء الامريكي آرمسترونغ بالانجليزية وهو يرد وينكر اشاعة انه اسلم وسمع الاذان على القمر. لكن الى الان–وهذا مضحك حقا–هناك من يروج لهذه الاشاعة ويصدقها!

لا اعرف لماذا يفرح المسلمون اذا اسلم انسان مشهور وخاصة اذا كان ابيض اللون اوروبياً او امريكياً او يابانياً ولا يهتمون اطلاقا لو اسلم شخص من تشاد او السنغال؟! هل الاوروبي اذا دخل الاسلام يدخل معه كل الافراد المعجبين باسلامه، اما الافريقي فلا ننال من جنته يوم القيامة ولاحتى شربة ماء؟

المشكلة ليست كبيرة بالانحياز في الفرح باسلام شخص غربي غني او افريقي معدم. المشكلة الاكبر هي ان الناس لم تعد تدرك ان بعض المسلمين في مشارق الارض ومغاربها يتعرضون لضغط نفسي بسبب ما يحدث باسم الاسلام. بعد احداث نيويورك الارهابية غير بعض المسلمين اسماءهم في امريكا (وهم ليسوا بحاجة لذلك لان المجتمع تفهم ان العملية فردية ولا تعبر عن كل المسلمين). لكن فجاة وجد المسلم نفسه يحمل اسم اسامة، الشخصية الغامضة والمجرمة التي انتشت بقتل الابرياء في نيويورك بحجة الدفاع عن الابرياء في فلسطين!

في سوريا بدأت هذه الظاهرة تنتشر بين بعض المثقفين السوريين الشباب ذكورا واناثا. لم يعد هؤلاء يثقون بكثير ممن يحمل راية الاسلام (والاسلام ليس راية) ولا يعرف اين يضعها ولا كيف يحافظ عليها من الابتذال والتشويه. لا يرون اخلاقا اسلامية بل اطماعا بشرية فيظنون ان هذا هو الاسلام فينفرون من كل شيء اسلامي. هؤلاء الشباب يحتاجون من يبين لهم ان الله ورحمته والنبي ورأفته والقران وحكمته والشريعة وسهولتها وتاريخنا وحضارته اعظم واجل ممن يتطاولون على الناس باسم الاسلام فيسقطون من اعين الناس قبل ان يسقطوا من عين الاسلام نفسه.

قال البخاري : حدثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف ; أن ابن جريج أخبرهم : قال يعلى : إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] ; أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا ، وزنوا فأكثروا . فأتوا محمدا – صلى الله عليه وسلم – فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة . فنزل:(والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) [ الفرقان : 68 ] ، ونزل [ قوله ] : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله).

جاؤوا الى النبي وهم في اسوء حالة من الكفر وارتكاب الفواحش، فرجعوا مؤمنين طاهرين. أليس من المعيب ان تنقلب الصورة في عصرنا فيتهم مسلمٌ شخصاً طاهراً بالزنا (وقد كتبت عن الاتهام الجنسي سابقا وخاصة اطلاق هذه التهم لمن يعارض سياسيا)؟ ألم ينقلب المؤمن كافرا ليس لانه كفر ولكن لان هناك من يكفره ويعلن انه مرتد؟ مخرجو الناس من دينهم ألا يعرفون ان الدين لله وليس ملكا لابائهم وامهاتهم؟

اتمنى ان يجد “مستر بين” وغيره الايمان في قلوبهم،

 لكني ادع الله ان يثبت الايمان في قلوبنا وقلوب عباده اجمعين.

بقلم : د أسعد الصالح

المصدر: موقع كلنا شركاء

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,312,439 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: