مقالات مختارة من الصحافة, مواقف الدول الأجنبية, مواقف الدول العربية, نظام الأسد, تحليلات وتقارير

الثورة السورية.. وقفة للمراجعة “3” . . بقلم: د. وائل مرزا


وائل مرزا

لننتقل في هذا المقال إلى جانب آخر من جوانب الأزمة يتجنب الكثيرون الحديث فيها.

ماذا يعني أن توجد في صفوف الثورة السورية عشرات، بل مئات، الفصائل العسكرية التي تندرج في خانة الوصف بأنها إسلامية، وأن تستمر هذه الظاهرة ابتداء من الأيام المبكرة لانتقال الثورة إلى الكفاح المسلح وصولاً إلى هذه المرحلة؟ هل يمكن تفسير هذا الوضع بأنه نتيجة لجهلهم بواحدة من القواعد الأساسية المندرجة في أسباب النصر بالمفهوم الإسلامي، والمتمثلة في ضرورة تجنب الفرقة والتنازع اللذين يؤديان بالضرورة إلى (الفشل وذهاب الريح). إذا كانت هذه الفصائل لا تُدرك فعلاً أهمية هذه القاعدة، فتلك مصيبةٌ تُلقي ظلالاً كبيرةً من الشك على فهم الإسلام في مجال يتعلق بنشاطهم تحديداً، ولا يُتصور أن يمتلك أهليةَ العمل فيه من توجد فيه مظنةُ الجهل بتلك القاعدة.

أما إذا كانت الفصائل تُدركها لكنها لا تستطيع العمل بها فالمصيبة أكبر؛ لأن من أعجب الظواهر في الثورة حتى الآن عدم قدرة أهل تلك الفصائل، ليس فقط على الاتحاد والاندماج، بل وحتى على مجرد التنسيق والتعاون بشكل (جبهوي)، كما تشهد بذلك المحاولات المتكررة والمعروفة، ويظهر عمق المشكلة بشكل أوضح حين نتذكر أننا نتحدث عن فصائل توجد بينها تقاطعات ومُشتركات واسعة جداً فيما يتعلق برؤيتها الإسلامية، بل إن بعضها يكاد يكون نُسخاً متكررة عن بعضها الآخر. وهذه ظاهرةٌ تحتاج بدورها إلى تفسير.

لا نريد الحكم على النيات أو الدخول في استقراء مكنون الضمائر، لكننا بإزاء ظاهرة اجتماعية ثقافية لها مُستتبعات، ليست فقط أمنية قصيرة المدى على المجتمع حولها، بل وإستراتيجية تؤثر في مصير سوريا، بحيث لا يمكن أن نتجاهل وجودها، ويمكن بكل صراحة التفكير بتفسيرات منطقية لها. وتتوزع هذه التفسيرات بين التنافس على المواقع والنفوذ والقوة، أو الطاعة العمياء لمصادر التمويل، أو في كون فهم هذه الفصائل للإسلام وطريقة تنزيله على الواقع متبايناً جداً، حتى لو ظهر خارجياً أن رؤيتها مُتقاربة. بمعنى أن كلاً منها ينطلق من (إسلام) يختلف عن الإسلام الذي ينطلق منه الآخر، وأن كلاً منها يحسبُ أن (إسلامه) هو الإسلام الصحيح دون غيره. هذه ظاهرةٌ خطيرة تُعبر عن نفسها بلسان الحال، ولو لم تعبر بلسان المقال، والمخلصون لأهداف الثورة من أهل الفصائل مدعوون بقوة للتفكير بها بكل جدية.

بالنسبة لنا، لا مفر من وجود تفسير لهذه الظاهرة، والتفسيرات الثلاثة المطروحة أعلاه تقذف، مُنفردة أو مجتمعة، في وجوهنا جميعاً أسئلة تعيد إحالتنا إلى الأزمة التي نتحدث عنها فيما يتعلق بفهم الإسلام.

وفي جميع الأحوال، يبدو واضحاً أننا أمام حالة إما أنها لا تُدرك ترتيب الأولويات في مجالات العلاقة بين المصالح العامة المتعلقة بالبلاد والعباد، والمصالح الخاصة المتعلقة بالفصيل وقياداته. أو أنها تُدرك حتمية تغليب معاني التجرد والإخلاص في هذا المجال الحساس تحديداً، لكنها لا ترتقي إلى مستوى المسؤولية من خلال العمل بمقتضى تلك المعاني بدرجات عالية من الجدية والصدق والعزيمة.

هكذا، نجدُ أنفسنا أمام تجليات الأزمة مهما حاولنا أن نبحث عن تفسير لظاهرة فرقة الفصائل الإسلامية، بل وتنازعها واختلافها، أحياناً إلى درجة الاقتتال، وأحياناً أخرى على شكل الخذلان والتخلي عن الأخ أمام من يُفترض أنه العدو المُشترك، وفي مواقف وأحداث حاسمة ومصيرية.

ويبرز هنا تساؤلٌ كبير: أين المراجع الشرعية بشكلٍ عام؟ وأين الهيئات الشرعية التي تمتلكها الفصائل من هذه المشكلة الأساسية التي لا تقتصر مستتبعاتها على حرمان الثورة السورية من تحقيق أهدافها؟ وكيف تتجاهل هذه الهيئات مثل هذه القضية الكبرى، وتنشغل بهمةٍ وعزيمة في ملاحقة ظواهر أخلاقية واجتماعية فردية شاذة تُصبح وحدَها المدخلَ لتطبيق تعاليم الإسلام في المناطق التي تقع تحت سيطرتها؟!

لماذا لا تتوقف الفصائل الإسلامية عند هذه القضية بكل أبعادها للتفكير في دلالاتها الخطيرة؟ لماذا تقفز فوق وقفة صدق مع النفس تتعلق بهذا الموضوع للإجابة على التساؤلات الكبرى التي يطرحها؟ ألا تستحق الثورة السورية، التي يريد أهل هذه الفصائل تقديم الغالي والنفيس لها، شيئاً من جهدهم الفكري والنظري التأصيلي للموضوع بكل ما يستحقه من جدية يتطلبها الموقف؟

لا تقتصر المشكلة بطبيعة الحال على الجسم العسكري وإنما تمتد لتشمل الجسم السياسي الذي يحمل صفة إسلامية.

فقد تعاملَ هذا الجسم مع السياسة على أنها ساحة مناورات داخلية بين العاملين في الحقل السياسي المُعارض، وأنها فضاءٌ لإظهار المهارة في إقامة التحالفات وتغييرها وصولاً إلى تحقيق هدف أساسي هو السيطرة على الهياكل السياسية، بحيث أصبح هذا الهدف هو الهاجس الأكبر. وبمعزلٍ عن امتلاك القدرة على توظيف هذه الهياكل لتحقيق الأدوار الحقيقية المطلوبة منها.

بل إن وضع المخططات المنهجية التي تمكن الهياكل المذكورة من خدمة الثورة وتحقيق أهدافها لم يكن أبداً أمراً ذا أولوية، هذا فضلاً عن إظهار قدرة على صياغة مثل تلك المخططات ابتداء. وبهذا الفهم وتلك الأولويات، لا يعود مهماً أن تظهر (البراغماتية) في أكثر تجلياتها بُعداً عن القيم الإسلامية، ويكون طبيعياً أن تُبررَ الغايةُ الوسيلةَ أياً كانت. ويسير العمل بنوايا مُضمرة يتم إقناعُ النفس، والقواعد، بها، تؤكدُ على ضرورة استمرار السيطرة والتحكم بأي طريقة في هذه المرحلة وإلى أن يتم إسقاط النظام، ثم يمكن استعادة القيم بعد استخدام السيطرة الحالية لتأمين سيطرة مستقبلية، ويمكن استدعاؤها آنذاك لتأكيد الصفة الإسلامية للعاملين.

لا يُظهر هذا التحليل الوجه الأخلاقي والالتزامي السلبي لأزمة الجسم السياسي الإسلامي فقط، بل يُظهر أزمةً أخرى على مستوى الفكر السياسي الذي يختزل مفهوم السياسة وممارساتها في مثل الدوائر المذكورة أعلاه من النشاطات. فهنا يغيب مفهوم تفكير رجال الدولة الذين يجب أن تمتد اهتماماتهم إلى إدراك المجالات الواسعة في إطار قيادة الأمم والشعوب نظرياً. وإن صحﱠ هذا في وقت السلم فإنه أولى بالاعتبار في ظرف الثورة الاستثنائي، فحجم المهمات والوظائف السياسية التي يُطلب تغطيتها يُصبح أوسع وأكثر تعقيداً. ودرجة الجهد والتخطيط والإحاطة وإيجاد الرؤى ورسم السياسات ووضع الهياكل المطلوبة تكون أكثر إلحاحاً.

وتجاوز هذا كله، يُعتبر مؤشراً واضحاً على غياب فكرٍ سياسي معاصر يزاوج بوسطية بين فهم مقاصد السياسة الشرعية من جانب وبين المعرف من فنون السياسة بمفهومها المعاصر من جانب آخر.

ويبرز أيضاً هنا السؤال عن دور المؤسسة الشرعية التقليدية، حيث لم ولا يظهر لها تأثير على الفصائل العسكرية الإسلامية التي لا تكاد تعترف بأي صفة مرجعية لأهل تلك المؤسسة، إلا في حالات نادرةٍ جداً، لا تتجاوز اسماً أو اسمين، وفي مناطق مُحددة لا تشمل الأرض السورية بأسرها. أما ما يزيدُ الظاهرة غرابةً ويبينُ حجم الأزمة فيبدو في لجوء تلك الفصائل بشكلٍ مُكثف إلى مرجعيات خارجية، ليس لها أي علمٍ بالتعقيد الاجتماعي والثقافي والسياسي للواقع السوري الذي يُفترض أنها تعمل على تنزيل تعاليم الدين فيه. وهذا خرقٌ أساسي للقواعد المنهجية الأصيلة في الإسلام في هذا الموضوع، حيث ينبغي أن يكون (المُفتي والعالم) مُدركاً لتفاصيل الواقع الذي يحاول تنزيل أحكام الدين فيه، انطلاقاً من مجموعة من الأصول المنهجية قد يكون أكثرها شيوعاً أن (الحكمَ على الشيء فرعٌ عن تصوره).

لماذا لم تستطع المؤسسة الشرعية التقليدية أن تؤثر بأي درجة في توجه وممارسات ورؤية وسياسات الفصائل العسكرية؟ ألا يدلُ هذا على قصورها في تلبية حاجات وخصوصيات هذه الشريحة والتعامل مع حاجاتها والإجابة على أسئلتها؟

ومن جهة أخرى، ألا تدل العلاقة المفقودة، تأثراً وتأثيراً، بين هذه المؤسسة وبين الجسم السياسي الإسلامي على وجود فصامٍ كامل بين الطرفين لا يمكن فهمه. لأن مثل هذا الفصام قد يكون مفهوماً في حالة اختلاف مرجعية وهوية وتطلعات الطرفين بشكلٍ كامل. أما في واقعٍ يفترض أن توجد فيه دوائر مشتركة كثيرة للمرجعية والهوية والتطلعات، فإن مثل ذاك الفصام يُعتبر ظاهرةً شاذةً وفي غاية الغرابة.

بهذا العرض، يتضافرُ واقع الفصائل العسكرية الإسلامية وواقع الجسم السياسي الإسلامي وواقع المؤسسة الشرعية التقليدية، والعلاقة بين الأطراف الثالثة، لتُبين بشكلٍ واضح حجم الأزمة المتعلقة بفهم الإسلام وتنزيله على الواقع في أحداث الثورة السورية. لأن واقع هذه الأطراف يُظهر للأسف أن نتائج ممارساتها تصب في التأزيم وزيادة الإشكاليات أكثر بكثير من مساهمتها في إيجاد الحلول.

لسنا هنا في مجال التهجم واتهام النيات، والتعاملُ مع هذا التحليل من ذلك المدخل لن يكون إلا تجلياً آخر من تجليات الأزمة، فنحن كما هو واضح نطرح أعلاه أسئلة تكاد تكون بديهية، وهي تستند إلى وقائع على الأرض يعرفها كثيرٌ من المهتمين، وإن تردد الكثيرون في فتح ملفاتها لسببٍ أو لآخر.

كل ما نريد قوله إن الحركة في أي مسار من مسارات الثورة السورية باسم الإسلام تفرض على أصحابها مسؤوليةً كُبرى. ولما كانت جدية الموقف لا تسمح بالنصيحة في السر، فإننا نؤكد علناً على ضرورة الاختيار بين تحمل تلك المسؤولية أو العمل بطريقةٍ أخرى لا تظلم أصالة الإسلام وقيمه الحضارية الكبرى.

وإذا كان العرض أعلاه لا يزال في جزءٍ كبيرٍ منه يطرح جوانب الأزمة ويعمل على توصيفها بقدر ما يمكن من الإحاطة والشمول، فإن هذا يأتي حرصاً على فتح ملفٍ يجب ألا يبقى مُغلقاً وينبغي أن يُشارك في حواراته كثيرون من أصحاب الاهتمام وأهل النُهى والألباب.

أما مقدمات الثورة الثقافية المطلوبة الآن، والتي ستكون بمثابة حاضنة لإنتاج مقدمات تُساعد على صياغة البديل الذي تبحث عنه الثورة في هذه المرحلة، فسيكون مجال اهتمامنا القادم بشكلٍ كبير، وهو مجالٌ ينبغي ألا يقف عند الجهد الفردي وأن تتصدى للعمل به على أكثر من مستوى جهود جماعية ومؤسسية.

د. وائل مرزا

المصدر: بوابة الشرق

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,316,745 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: