مقالات مختارة من الصحافة, مواقف الدول الأجنبية, مواقف الدول العربية, نظام الأسد, تحليلات وتقارير

الحرب الإعلامية والعمل السياسي في الثورة السورية . . بقلم: لؤي صافي


كاريكاتير بشار وروسيا وأميركا

أثارت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة التي غازل فيها الأسد وأطراه بسبب تحركه السريع لتلبية المطالب الأمريكية في تدمير السلاح الكيماوي السوري غضبا لدى قوى الثورية والمعارضة السورية. وارتفعت أصوات تدعو إلى إدانة الموقف الأمريكي والتنديد به. وأعتبرت هذه الأطراف أن تصريح كيري مؤشرا واضحا على استعداد الولايات المتحدة تغيير موقفها المعلن تجاه الاصطفافات في الصراع الداخلي السوري.

المواقف الأخيرة التي اتخذتها الولايات المتحدة من الثورة السورية، وواكبها فيها حلفاؤها الأوربيون، كانت مؤسفة للغاية، وأبدى قادة المجتمعات الديمقراطية مواقفا أقل ما يقال فيها أنها لا تتوافق على مستوى الفعل والعمل مع سياساتها المعلنة حول دعم التوجهات الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان. وكنت قد أشرت إلى تناقض سياسات الدول الديمقراطية الداعمة للثورة في العديد من مداخلاتي الإعلامية. لكن السؤال الذي يواجه المعارضة السورية والائتلاف اليوم، في ضوء تردد الحلفاء والأصدقاء بدعم الثورة، هو كيف نتعاطى مع هذه المواقف المترددة؟ المطلوب منا أن نسأل أنفسنا، هل التنديد هو المقاربة الصحيحة أم أن هناك خطوات سابقة على التنديد يجب القيام بها؟
الحرب الإعلامية والخطاب الإعلامي ذي الصوت العالي كان ولا زال هو الوسيلة المفضلة لمعظم القوى السياسية السورية. ولحد الآن لم يدرك بعض المعارضين من أصحاب الاصوات الرنانة أن الخطاب الإعلامي وحده لا يكفي لتحقيق الانتصار، وأن الضوضاء والتقلب المستمر على شاشات الإعلام وتوجيه التهم لكل مخالف في الرأي والمزايدات التي لا تنتهي تضر بالثورة وتذهب مصداقيتها وتفض الناس من حولها، ولا تحقيق إلى الغرور الكاذب لأصحابها، ولا تصنع جمهوريات ودول بديلة إلى في مخيلات المعجبين وأوهام المزايدين.
العمل الاعلامي ضروري لنجاح أي عمل سياسي، ولكن نجاح العمل السياسي يتعلق بالدرجة الأولى على القدرة على الحشد والتنظيم والتخطيط وتوظيف المنابر الإعلامية لإيضاح المواقف المعتمدة والخطوات المتخذة. هذا يعني أن التعاطي مع مواقف الأعداء والاصدقاء يجب أن يتم من خلال السياسية والعمل السياسي أولا. لذلك فإن التعاطي مع التصريحات الامريكية يجب أن يتم من خلال فهم الدور الأمريكي في الصراع والاستفادة من أي تقاطعات ممكنة لخدمة أهداف الثورة ودعم مكاسبها.
البحث عن التقاطعات يجب أن يتم دون مواربة أو تجاهل لسياسات المتحدة الأمريكية للمنطقة. إذ لا يخفى على أي مراقب سياسي أن الولايات الأمريكية تضع أمن إسرائيل على رأس أولوياتها في الشرق الأوسط، وأن الرئيس الأمريكي باراك أوباما صرح على الملأ، على عكس رؤساء أمريكا السابقين، بهذه الحقيقة دون مواربة، بل كررها مرات عديدة. في الوقت نفسه الولايات المتحدة هي المتحكم الأول والأساسي في حجم وطبيعة المعونات المالية والعسكرية للثورة، والدول الأقليمية الداعمة لنا جميعها هي جزء من الحلف العسكري الأمريكي. هذا قدر فرض على الثورة ولم تختاره بملئ أرادتها بل حتمته أشكال التعاطي والصراع السياسي في المنطقة والتحالفات الأقليمية والدولية المرتبطة بمسائل بعيدة كل البعد عن أهداف الثورة وكفاح الشعب السوري ضد نظام الأسد. وبالتالي فإن تعاطي الثورة وقياداتها مع الطرف الأمريكي يجب أن يتم من خلال هدف واضح وتقدير صحيح، وبالتحديد عبر العمل على الاستفادة من التناقضات الشرق أوسطية للتأثير في القرار الدولي لتحقيق الدعم للثورة السورية على أحسن تقدير، أو حماية ظهرها في أضعف تقدير.
العلاقات الخارجية لا يمكن القيام بها من خلال وسائل الإعلام، وعبر الرسائل الإعلامية وحسب، كما يعتقد العديد من وجوه المعارضة السورية، بل يجب توظيف الخطاب الإعلامي لتوضيح الحقائق وإعلان المواقف المتخذة وفق سياسيات مدروسة واستراتيجيات محكمة، وبعد بذل الجهد الدبلوماسي واستيضاح الخطوات الناجعة. أنا شخصيا لست من أنصار ممارسات الصوت العالي والفعل المنخفض، خاصة إذا تحول الكلام إلى عنتريات فارغة. أرى أن الجهد الأول يجب ينصرف للتأثير في قرارت القوى الداعمة والتواصل المباشر معها لحملها على الوفاء بوعدودها وتحميلها مسؤولياتها العربية والدولية والإنسانية، وتذكيرها بعواقب فشل الثورة السورية التحررية على سورية والمنطقة والعالم. الاستيضاح والتأكد من وجود خطوات عملية داعمة يجب أن يسبق التصريح والتنديد. المطلوب من المعارضة في نهاية الأمر التحول من الخطاب العالي إلى العمل المنظم والمتسق، وتوحيد الصفوف للتعاطي مع الخارج بصوت واحد وموقف مشترك.
مشكلة المعارضة السورية الكبرى اليوم هي استمرار التشرذم والضعف  التنظيمي بعد سنتين ونيف من بدء الثورة، وانحصار المعلومات والنقاشات والقرارات في مواقع قليلة تتحرك في كثير من الاحيان منفردة وبعيدة عن كل الأطر التنظيمية المشتركة. كل تنظيمات المعارضة بدون استثناء تعاني من مركزية شديدة وتفرد بالقرار وغياب العمل المؤسسي وتوزيع الادوار.
السؤال الأساسي والأهم الذي يحتاج إلى تأمل ونقاش من قبل المعارضة ليس قدرة الائتلاف على التنديد بالاعداء و “الأصدقاء” في آن معا، ولكن قدرته على الفعل والتأثير في مجريات الأمور بفاعلية أكبر وتعاون أفضل مع القوى الأساسية في الصراع ضد النظام.
في ضوء غياب التنسيق العالي وتطوير آليات للتواصل والقرار مع قوى الثورة والمعارضة، يعاني اليوم الائتلاف الوطني الذي يعمل باسم هذه القوى من تراجع  تدريجي في مصداقيته لدى حلفائه داخل القوى الفاعلة في سورية، كما بدأ يفقد بالتدريج مصداقيته أمام حلفاء وأصدقاء الأمس الدوليين.
وبينما تتشرذم القوى الملتزمة بالمشروع الوطني وبدولة الحريات والقانون، تعمل كتائب مقاتلة دخيلة على البلاد، يقودها أمراء حرب  وتحمل مشاريع استبداية بلبوس دينين، إلى التسلط والتحكم تدريجيا في مقادير البلاد، وتسعى للسيطرة على المعابر الحدودية وخطوط الإمداد، وحقول النفط. واستطاعت فعلا في مناطق عديدة الاستيلاء على مؤسسات ومنشآت عامة وممارسة وظائف سيادية.
علينا أيها الأصدقاء أن نطرح الأسئلة المهمة ونتعامل معها بجدية، بعيدا عن العنتريات الخطابية. علينا تطوير تصورات مشتركة وتحويلها إلى قرارات ومشاريع وطنية، والعمل على إقناع مختلف قوى الثورة والمعارضة بدعمها والالتزام بها. وعندها يمكن الحديث عن معارضة فاعلة وقادرة  على القيام بدورها وإنقاذ البلاد من خطر صراع يمتد لعقود، وتجنيب أنفسنا وائتلافنا وقوانا الوطنية محاذير نقل زمام المبادرة إلى من يسعى لتحقيق مصالح ومشاريع تضر بالوطن وثورته ومصالحه، والتحول إلى قوى تتموضع على هامش الصراع حول مستقبل سورية.
من يصر على خوض في صراع كلامي وفتح الجبهات إعلامية على الجميع بدون اسثناء وتجاهل الأداء المنخفض لقوى المعارضة يقدم هدية مجانية للنظام والقوى الظلامية. وهو بذلك يمكن أعداء الثورة من  اختطاف مشروع الثورة السورية التحرري الوطني. وعندما يحدث ذلك وتخطف الثورة سيكون بإمكان من أراد التنديد بالقوى السياسية جميعا، السوري منها والعربي والدولي، فعل ذلك، وسيكون بمقدوره حينها على التلذذ بالخطاب العالي الرنان والتنديد الأجوف،  من مواقع هامشية في هذا الصراع، وبدون أي مسؤولية!

لؤي صافي

المصدر: الشبكة العربية العالمية

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,303,438 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: