قصص من أحداث الثورة, تحليلات وتقارير

ماتت حمامة .. واستشهدت حرّة . . بقلم: إيمان محمد


شهداء أطفال الكيميائي - مهند عرابي

فوق البلاط المحتفظ ببقايا قطرات المطر لليلة الماضية أسير.. أتحاشى بعض زهرات الياسمين التي قررت أن تزيّن وجه الأرض، وتتماشى كرماً وسماحة وعطفاً على ورق الخريف فلا تشعره بأنه هَرِم وانتهى دوره، بل توصل إليه رسالة بأنها هي الجميلة الفتية التي في أوج صباها ورونقها مستعدة لمتابعة ذات رحلته، وخوض ذات تجربته، وبأن العمر لا يقاس بعدد السنين..
طريقي اليومي قصير نسبة إلى طرقات كنت أقطعها من حيّ لحي، تمكنني فيها من قراءة بعد الأوراد والأذكار، أو مراجعة سورة حفظتها..
لكنني اليوم إن حظيت بدعاء الخروج من المنزل وبعض الأدعية أكون في زمرة الفائزين..
سعادة تغمرني حين أركب سيارة أجرة يستمع فيها السائق إلى تلاوة عذبة للقرآن..
أمر مدهش أن هؤلاء كُثر، أو لعله السائق نفسه الذي يقلّني كل يوم، فأنا لا أحدّق في وجوههم عادة، بل أغرق في حلول المشكلات التي طاردتني طوال الليل..
كان من المفترض أن يكون صباحاً مشرقاً جميلاً قد تتخلله بعض الرشقات النارية، أو قذائف الهاون العابرة من أرض إلى أرض..
قد تتخلله رسائل الحقد التي لا تخشع وهي تُقذفُ من الأرض إلى السّماء وهي تعلم يقيناً أنها ستنتهي جحيماً حين تسقط.. حين تهوي على الأرض..
لكن تعكر صباحي حين وجدت حمامة بيضاء جميلة، قد تخلل جناحيها بعض السواد، كمثل الفرح ههنا، لا يقبل إلا أن تشوبه شائبة حزن.. وجدتها قد اختارت الموت أمام منزلنا..
لم أستطع التوقف أمامها، كما لم أستطع تجاوزها..
سرتُ خطوتين إلى الأمام، ثم توقفتُ والتفتُّ إليها..
أأحملها بين كفّي؟ أتراها دافئة؟ أيعقل أن في قلبها نبض؟
أأسألها كيف ماتت؟ ولمَ اختارت منزلي من بين مساكن أهل الأرض كي تودع الحياة عنده؟
وهل خمّنت أن في جعبتي مكان لاحتمال الألم، فقررت أن ترحل هناك..
غصصت بدمعة وقررت الرحيل، خيانة أن أتركها هناك، لكن وثقت بأهل الحيّ الطيبين..
دائماً في النكبات والأحزان أيدٍ طيبة تتسابق، تتشابك لترفع الحزن، لتبدد الهمّ بعزيمتها..
منها من بادرت ورفعت الجثث من تحت ركام الصاروخ الذي دمّر المبنى البارحة، ومنها ما داوت الجراح…
أتراها تكفّ يدها عن انتشال جثّة حمامة لم تقو ضعيفة مثلي على انتشالها؟
تابعت طريقي وأنا أوبّخ نفسي، وألقي عليها المحاضرات في ذمّ التّطير، وفي حكم الفأل الحسن..
أحكام تشابكت بتّ أطاردها..
مالَكِ والحمامة والأحكام والفأل والتّطير؟ هناك حرب مضرمة، أبرياء يرحلون، أبطال يضحّون، وهناك المنافق والسارق والمتسلق.. عودي لقضاياكِ ومشكلاتك.. ألهذا الحدّ تشغلكِ هذه الرّاحلة عن دنياكِ..
شاغلتُ نفسي طوال اليوم بأعمالي اليومية..
عدتُ فلم أجدها على الأرض تعترض طريقي.. ارتاح قلبي قليلاً..
لكن الراحة لم تَدُم.. فقد استشهدت إحدى البطلات مقبلة غير مدبرة، بعد خطف ومعاناة..
رصاصتان في الرأس، وتقريرٌ يقدم للأهل، أن العصابات المسلحة هي التي قتلتها..
لا سبيل للفدية، أو التبادل، أو التفاوض..
بعض النجوم وهي تسقط، تملأ الأرض نوراً وسلاماً.. لكن الغصّة أننا نتعامى عن رؤيتها وهي تسقط..
ونتابع حياتنا العادية، حتى ولو أضرمت الأرض ناراً وشرّاً.. كل ما يهمنا أننا ضمن حدود أنفسنا.. كما نظن..
أننا بألف خير!!
نتلو أورادنا ونحصن أنفسنا من الشرور الممكنة، ونفكر أننا حقاً ق نجونا.. ونتغافل عن تحصين الحياة بالحق والعدل.. من المجرمين العابثين..
مساء مشوب بالغضب.. بالعتمة..
لا شيء جديد!!
سأكتب في دفتر مذكراتي الليلة..
ماتت حمامة.. واستشهدت حرّة..
وانتحب الياسمين…..

 

إيمان محمد

 

 

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,306,204 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: