قصص من أحداث الثورة, نظام الأسد, تحليلات وتقارير

“أحمد”.. شاب حلبي ضحية الواقع الطبي الصعب


شهداء الثورة

لم تصدق أم أحمد أن ابنها ما يزال على قيد الحياة، أو بالأحرى قد عاد إلى الحياة.. أو حتى أنه لم يمت بالأصل!. اعتبرت صراخ ابن اختها وهو يردد ( أحمد عايش .. أحمد عايش ) مجرد هلوسة أصابته هو الآخر، أو في أحسن الأحوال رغبة منه بمواساتها مؤقتاً .. لكن الرجل بدا جدياً، والأم تستطيع أن تميز حين يتعلق الأمر بحياة ابن لها كل تعابير الوجوه، والموقف يقول إن ابن أختها صادق!.

أوقف الرجل سيارة أجرة كانت تمر في المكان وحمل ابن خالته ( الميت ) من بين الجثث الملقاة أمام المستشفى، وبسرعة البرق انطلقت السيارة به وبخالته وابنها الهامد-,تبتسم أم أحمد اليوم وهي تجلس بالقرب من ابنها الوحيد الذي دخل عامه السادس والعشرين هذا الشهر, وتروي لنا قصة ذلك اليوم التاريخي في حياتهما:”أخبروني أن أحمد صدمته سيارة وأن الجيران أسعفوه إلى المشفى .. خرجت بدون وعي أبحث عمن لديه خبر عن إبني، فجاؤوا بي إلى المشفى، وعندما سألنا عنه قالوا إن علينا أن نبحث عنه بين الجثث الموجودة عند الباب من أجل التعرف عليها”.

كادت هذه الكلمات أن تقتلني – تضيف أم أحمد – فانطلقت مع ابن أختي إلى المكان لأجد نحو عشر جثث مكومة فوق ثلاث أو أربع نقالات طبية!, وعلى الفور بدأت أقلب هذه الجثث بلا وعي حتى خرج لي وجه أحمد من بين الوجوه الميتة.
“تحشرج هذه المرأة الخمسينية وهي تكمل روايتها عند هذه النقطة، قبل أن تلتفت نحو ولدها وتحضنه بقوة كأنها تعيش تلك اللحظة الصادمة”.

يدرك أحمد أن أمه لن تستطع إكمال القصة، فيستأنف من حيث انتهت مازجاً ما بين الذي حدثوه به، وبين الذي وعاه بنفسه لاحقاً:
“لم يكن بالإمكان نقلي إلى المشافي في المناطق غير المحررة بالنظر إلى أن معظم أفراد عائلتنا مطلوبين أمنياً ومعرضين للاعتقال، فتوجهوا بي إلى تركيا حيث تم إسعافي إلى أحد المشافي التي ينقل إليها المصابون السوريون في مدينة كلس، وهناك أجريت لي الاسعافات الأولية والإنعاش، قبل إحالتي إلى مشفى أكثر تطوراً واستعداداً في مدينة غازي عنتاب”.

“لكن كيف وضعوك بين جثث الموتى هناك في المشفى بحلب ؟!, كان هذا هو السؤال الرئيس في القصة كلها، وهنا محور القضية بما يحتويه من مفارقة واستغراب في الوقت نفسه!”.
يجيب أحمد: لقد اعتقدوا أنني ميت بالفعل .. كنت غائباً عن الوعي تماماً, ويبدو أنني عندما وصلت إلى المشفى كنت مصاباً بالسكتة القلبية, وبالنظر إلى الضغط الكبير على هذا المشفى الذي يخدم كل حلب المحررة بمفرده تقريباً، فإن العاملين فيه لم يجدوا الوقت الكافي لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة قبل إعلاني وفاتي!

وبالفعل، فإن ضغوطاً كبيرة جداً تقع على عاتق الكوادر الطبية العاملة في المناطق المحررة في حلب وريفها نتيجة قلة عدد الأطباء والممرضين من جهة، والنقص الكبير في الأجهزة والمعدات الأساسية، ناهيك عن غياب المواد الطبية بما فيها الأدوية بمواجهة ضغط كبير جداً في أعداد المسعفين.

ومتوسط عدد ما تستقبله المشافي الميدانية والنقاط الطبية في المناطق المحررة 30 حالة في اليوم، معظمها تكون حالات خطرة نتيجة القصف وعمليات القنص، بالإضافة للاشتباكات بين الثوار وقوات النظام.

وإذا ما استثنينا الأوقات التي يرتفع فيها العدد بشكل كبير –وهذا يحصل بشكل مستمر– فإن أغلب الحالات تكون معقدة جداً وتحتاج إلى أكثر من عمل جراحي واحد قد يستغرق أحدها أربع ساعات أو أكثر، الأمر الذي يستنفذ قدرات وطاقة العاملين في هذه المشافي والنقاط الطبية. ومع ذلك فإن حالة أحمد تطرح وبقوة العديد من الأسئلة التي لا يمكن أن تمر تحت أي مبرر مهما كان موضوعياً.

فأسئلة مثل (كم شخص قضى مرمياً بين الجثث وهو حي) أو (هل كان بالإمكان إنقاذ حالات استشهد أصحابها) على سبيل المثال، هي أسئلة مؤلمة اليوم في جميع المناطق المحررة، لكن دون أي قدرة على توجيه اللوم لأحد.

يفرض الواقع الصعب جداً في هذا المناطق على الجميع الشعور بالامتنان للعاملين في المجال الطبي، على الرغم من كل المواقف واللحظات غير الطيبة التي لا يكاد أحد في الجزء المحرر من المدينة وريفها إلا وعاشها!. ويجد الكل متنفساً أمام هذه الوقائع من خلال توجيه اللوم إلى الأطباء والممرضين الذي غادروا هذه المناطق بعد دخول الجيش الحر إليها رغم الحاجة الماسة إليهم!.

يحمّل الجميع المسؤولية للأطباء الذين أقفلوا عياداتهم فجأة متخلين عن واجبهم الإنساني وقسمهم المهني، وعليه فهم يرون في حالة أحمد (لو أنه قضى فعلاً) وكل الحالات المشابهة سببها تخاذل هؤلاء (الفارين) من واجبهم ككوادر طبية تحتاجها البلاد.

المصدر: موقع أورينت نت

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,303,719 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: