متفرقات

تسعيرة جديدة لعمل المخبر . . بقلم: د. عبد القادر المنلا


مخبر - عوايني

في خطوة جديدة/قديمة، أعلنت من تسمي نفسها “الجهات المختصة” في سورية عن مكافأة مقدارها 500 ألف ليرة سورية لمن يسلم أحد الإرهابيين من غير السوريين، و200 ألف ليرة لمن يسلم أو يساعد في القبض على إرهابي سوري..

تسعيرة جديدة لعمل المخبر يراهن من خلالها النظام السوري على ضعاف النفوس لشرائهم, كما فعل ويفعل منذ عقود ليضعهم في رسم خيانة الثورة والوطن والدم السوري، ولفتح باب جديد لاستقطاب مخبرين جدد من ذوي الكفاءات التي لم تكتشف بعد، ومساحة واسعة وعلنية لتوسيع رقعة الفتن وضرب الثقة بين السوريين ما استطاع إلى ذلك سبيلا، مع الحرص على التقليل من شأن السوري ومن ثمنه حتى وهو في حالة “الإرهابي” في مقابل “الخبرات الإرهابية الأجنبية والوافدة”, وهو الذي حرص على مدار سنواته الثلاث والأربعين على ترخيص السوريين والإمعان في تهميشهم قبل أن يبادر إلى إبادتهم فرادى وجماعات في زمن الثورة..

ورغم كل رواياته عن الانتصارات التي يحققها الجيش الباسل والأعداد الضخمة التي يقضي عليها يومياً من الإرهابيين، وحديثه اللامتناهي عن السيطرة التامة على الأراضي السورية، تأتي الخطة الجديدة في الإعلان عن مكافأة لمن يجند نفسه مخبراً وكأنها اعتراف بالعجز عن ملاحقة أولئك الذين يسميهم “إرهابيين” ليصل إلى نوع مبتكر من التناقض يضاف إلى سجل المتناقضات اللامحدودة التي أوقع نفسه فيها منذ اليوم الأول للثورة..

* تماثل مع الخطاب الإسرائيلي

لا يجد النظام السوري حرجاً في تماثل خطابه مع الخطاب الإسرائيلي، فتهمة الإرهاب التي يطارد الشعب السوري كله بحجتها، -سواء تلك الفئات الكبيرة المطالبة بالحرية، أو الفئات التي لم توافقه على القتل ولم تصفق له وتطلب المزيد- هي ذات التهمة التي تطلقها إسرائيل منذ زمن طويل على الفلسطينيين أصحاب الأرض والحق، وكان النظام السوري ذاته يبارك “الإرهاب” الفلسطيني ويعتمد تسمية العمليات الفدائية الاستشهادية على العمليات الانتحارية التي يقوم بها الفلسطينيون ضد الكيان الإسرائيلي، وهاهو اليوم يحارب بمنطق ذلك الكيان بعد أن حول نفسه بدوره إلى كيان مغتصب، يستعير أدوات إسرائيل ويزيد عليها ما لم يخطر على بال الإسرائيليين أنفسهم فيتماثل في الخطاب والتوجه والطريقة والأداة مع من يعتبره عدواً ومغتصباً بل ويتفوق عليه في استباحة دم شعبه، وكأنه -من جانب خفي- يبارك ضرب الفلسطينيين بل وربما يدعو إسرائيل إلى مماثلته بعد أن تفوق عليها بمراحل فيطلب من فئات الشعب أن تتآمر على بعضها ويغري ضعاف النفوس ومن لديهم استعداد لخيانة الدم السوري من المتسلقين والانتهازيين وتجار المواقف لمساعدته في إبادة الشعب بكل السبل والوسائل، ويصر -من حيث يدري أو لا يدري- على إظهار إسرائيل بكل ما فيها من وحشية على أنها قمة في التحضر والرقي قياساً لممارساته الهمجية والاستخباراتية ونفس الجاسوسية المستشري لديه وغير المسبوق في التاريخ عبر الأسلوب الذي يعتمده في قتل شعبه إلى ما هو أبعد من حدود الإبادة..

* وتماثل منقوص مع أمريكا

استعملت الولايات المتحدة فكرة الإغراء المالي للقبض على إرهابيين مطلوبين لديها خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، غير أن الفارق الجوهري في الأسلوب الأمريكي وأسلوب النظام السوري نجده في حالة الخصومة الحقيقية مع من تطلبهم (بصرف النظر عن موقفنا من تلك الخصومة)، فضلاً عن أنها تطلب شخصيات بأسمائها وأن أولئك المطلوبين ليسوا أمريكيين أو يتواجدون على الأرض الأمريكية، فيما يرشّح النظام السوري أي مواطن لوصمه بالإرهاب حين يدلي مخبر رخيص بشهادته المزيفة عنه، ولكن النظام السوري اعتمد الأسلوب الأمريكي ليمارسه ضد شعبه لا ضد خصومه الحقيقيين، تماماً كما استعمل الأسلوب الإسرائيلي في اتهام من يقاوم بطشه بالإرهاب ثم تفوق على النموذجين معاً في صيغ القمع اللاأخلاقية وفي محاولة الإغراء المالي الرخيصة التي طرحها كمزاد علني في الأيام الأخيرة..

* مخبرون على المخبرين

يصر النظام السوري على أنه يقاتل فصيلاً محدداً هم العصابات الإرهابية والتكفيريون والوهابيون والمخرّبون والمتآمرون، رغم أن هؤلاء لا يمكن أن يكونوا فصيلاً متجانساً، فيما الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن ينكرها أن الشعب السوري بمجمله اليوم هو في مرمى نيران الأسد بمن فيهم الموالون فيما لو اقتضت المهمة تصفيتهم، ولهذا فهو لم يكتف بالأعداد الكبيرة التي جندها على مدار عقود في أجهزة الأمن والمخابرات الرسمية وغير الرسمية، فأخذ يضيف إليها اللجان الشعبية وغيرها والوافدين لمناصرته بكل أطيافهم ومهنم من مقاتلين وأبواق، بل إنه لم يوفر حتى أولئك المساكين البسطاء الذين استطاع أن يدخل الرعب إلى قلوبهم وأذكى نار الرعب لديهم من الثورة والثوار فتطوعوا لكي يكونوا مخبرين جاهزين مجانيين للإبلاغ عن أية حركة “مشبوهة” لدرء الخطر عنهم كما يعتقدون، لم يكتف بكل ذلك وراح يبحث عن مخبرين جدد ويكشف من حيث لا يقصد عن آلياته في تجنيد المخبرين، عن طريقته في التعامل مع المرتزقة وشرائهم، وما الإعلان عن مكافآت مالية لمن يدل على الإرهابيين سوى إعلان عن قبول دفعة جديدة في سلك المخبرين من ذوي السعر الرخيص، غير أن الحقيقة العميقة هي أن النظام يريد زيادة في المخبرين على المخبرين حيث لا أحد اليوم موضع ثقة كاملة بالنسبة إليه والكل مشكوك في ولائه لسبب بسيط جداً هو إدراكه أن كل من يصدق روايته هو متواطئ معه لا أكثر، وبالتأكيد فهو يحتقر ضمنياً من يصدق روايته لأنه يثق عميق الثقة بكذبه ونفاقه, ولذلك فهو لا يثق بهؤلاء ويبحث عن مخبرين يتجسسون عليهم بدورهم وعن متجسسين على المتجسسين، وضمانته الوحيدة هي تلك المبالغ المالية التي يعلنها بصفاقة كمكافآت وهو يعي تماماً ان من يقبل بها يعون بدورهم أنها ثمن شراء ذممهم ولذلك لن يكونوا موضع ثقته..

* الحيطان بلا آذان

نجح نظام الأسد الأب في إفشاء حالة الخوف وانعدام الثقة بين السوريين إلى الدرجة التي وصل فيها المواطن للخوف من أقرب المقربين وأحياناً للخوف من اخيه وابنه، واستطاع أن يكرس فكرة “الحيطان لها آذان”، فعاش السوريون ردحاً طويلاً من الزمن لا يجرؤون على البوح بآرائهم ومواقفهم لأحد بمن فيهم أولئك الذين يعيشون خارج القطر حيث اشتغل النظام السوري على زراعة الجواسيس في كافة أرجاء المعمورة، وكانت مهمة الجاسوس ليست رصد موقف أو حالة وحسب بل مجرد التقاط كلمة يتفوه بها إنسان خارج السياق، وقد استطاعت تلك التقنية زعزعة الثقة بين السوريين إلى أن قطع أطفال درعا آذان الحيطان حين خطّوا عليها عباراتهم الشهيرة فكسروا الجدار نفسه الذي طالما وقف بين السوري وحريته، ولكن النظام وهو يتداعى لا يتوانى عن محاولاته الحثيثة في استقطاب مخبرين جدد عله ينجح في إعادة إعمار جدار الخوف وهو الأمر الوحيد الذي يحاول إعادة إعماره في سورية التي دمرها بيديه..

بناء جدار الخوف أهم من بناء سورية وكل التدمير الذي قام به النظام كان يهدف إلى إعادة جدار الخوف على ما كان عليه.. وأنى له ذلك؟!!

د. عبد القادر المنلا

المصدر: موقع أورينت نت

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,300,701 مشاهدة

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: