مقالات مختارة من الصحافة, مواقف الدول الأجنبية, مواقف الدول العربية, نظام الأسد, المعارضة السورية, الجيش السوري الحر, تحليلات وتقارير

هل فقدت الثورة السوريّة بوصلتها؟ . . بقلم: هيثم حسين


هيثم حسين

بمعاينة خارطة الأحداث في سوريا، يمكن الوقوف على تغيّرات كبيرة في المشهد الداخليّ العسكريّ والمدنيّ، وعلى جبهات القتال والتماسّ ومناطق النفوذ والتداخل، كما أنّ المشهد الخارجيّ يشهد بدوره تغيّرات مفصليّة وهامّة على مختلف الصعد, سواء كان في التهيئة لجنيف المؤجّل دوماً بانتظار «استواء الطبخة» التي يكمن سمّها الأدهى في التغاضي عن جرائم النظام ومنحه مُهلاً متجدّدة للإجهاز على ما تبقّى من البلد.

التناغم الأمريكيّ الروسيّ أكسب النظام بعض الاطمئنان المرحليّ، ومنحه هوامش جديدة قد تمتدّ لشهور كي يستكمل تدمير ما دمّره جزئيّاً، وذلك بالتوازي مع تسليمه لمواقع الكيماويّ لتدميرها، بحيث يُشغل العالم بتدمير الكيماويّ في حين يلتفت هو إلى تدمير البلد وتفتيت المواطنين وتشريد مَن تبقّى منهم.

داخليّاً، تشكّلت في الآونة الأخيرة أطر مناطقيّة جامعة لعدد من القوى العاملة على الأرض، كالإطار الذي أعلن باسم «مجلس قيادة الثورة للمنطقة الجنوبية» والذي ضمّ خمسين تشكيلاً مسلّحاً معارضاً، وربّما تأتي هذه الخطوة كبادرة استباقيّة لمنع انسلال قوّات متطرّفة كداعش إلى الجنوب، بحيث يحمي الإطار المعلَن عنه المنطقة من أيّ اجتياح من قبل النظام أو القوى المتطرّفة التي تدعمها الدول التي تبتغي إدامة حالة الاستنقاع في سوريا لغايات مبيّتة معلومة.

وكانت قد سبقت هذه الخطوة الجنوبيّة خطوات في الشمال وريف العاصمة دمشق، وتأتي كدعم للتيار الوطنيّ المعتدل البعيد عن التطرّف بأيّ شكل من الأشكال، والذي لا يهدف لتحقيق مشاريع عابرة للحدود الوطنيّة.

هذه التشكيلات العسكريّة أعلنت سحب الاعتراف عن «أي هيئة سياسية موجودة تدعي تمثيلنا وفي مقدّمتها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وقيادته التي فرطت بثوابت الوطن والثورة»، بحسب ما ورد في بيان إعلان مجلس قيادة الثورة للمنطقة الجنوبيّة، وسبقه في ذلك تشكيلات عسكرية في حلب وريف دمشق ومناطق متفرقة من البلاد.

وقبل أيّام أعلن عن قيام «ائتلاف القوى والأحزاب السياسية في الداخل السوري»، الذي شكّل الإسلاميّون الغالبية فيه، وضمّ سبعة عشر حزباً وتياراً سياسياً أبرزها حركة فجر الإسلام، وحركة نماء الإسلامية، وحزب الحرية والعدالة، والحزب الديمقراطي السوري الحر، والتجمع الثوري الديمقراطي، واتّحاد شباب الثورة.

كما أنّ عشرات المجالس المحلّيّة أعلنت عن موقفها إزاء الائتلاف الذي يبدو بدوره متخبّطاً كعادة التشكيلات السياسيّة السوريّة المعارضة التي لم ترقَ لمستوى الثورة السوريّة وتضحيات أبنائها وشهدائها، بحيث أضحت هذه المعارضة عبئاً على الثورة بدلاً من تمثيلها المفترض في المحافل الدوليّة، وانشغلت بتهافت كثير من أعضائها على انتهازيات يخجل منها المرء، وكأنّهم في تسابق للإحتضاء بالامتيازات الشخصيّة على حساب دماء الشهداء، كما أنّ الأمر بدا أشبه بمسرحيّة تراجيديّة مستمرّة العرض، والضحايا هم الشعب السوريّ المشرّد النازح اللاجئ، الشعب الذي تحوّل قسم من أبنائه طعاماً للحيتان في البحار، وقسم آخر تلفظه مطارات العالم إلى مخيّمات مؤقّتة وسجون متجدّدة.

ويأتي تهديد المجلس الوطني السوري بالانسحاب من الائتلاف المضعضع أساساً كمحاولة لإعادة الروح في هيكل متحجّر لم يستطع تحقيق أيّة مكتسبات للسوريّين الذين أعلنوا تأييدهم له في مظاهرات رفعت لافتات تمثيلة لهم, كما يأتي تصريح بعض أعضاء الائتلاف نيّتهم إعلان جسم جديد سياسيّ وعسكريّ كتخلٍّ مُسبَق عن الفشل المتوقّع وكمسارعة إلى التبرّؤ من الفشل بإسقاطه على أفراد بعينهم، وكأنّهم حين ينتقلون إلى الجسم الآخر تحت مسمّى آخر جديد سيغيّرون الخارطة السياسية والعسكرية الدولية والداخلية سواء بسواء, وهذا أيضاً هروب إلى الأمام، كما يقال في توصيفات هؤلاء «الساسة» المسيسين.

قسم من المعارضة العسكريّة انشغل عن الصراع الرئيسيّ ضدّ النظام إلى صراع على المعابر فيما بين المعارضين أنفسهم، كما أنّ قسماً آخر ممّن يفترض أنّهم يحاربون النظام يطبّقون سياسات تصبّ في خانة النظام، ولاسيّما تنظيمات تختطف نشطاء الثورة وإعلاميّيها وتبدّد تجمّعاتهم وتفرّقهم وتحاربهم بدلاً من النظام.

لا يخفى أنّ جزءاً من الصراع والانقسام هو على الحاضر، وجزءاً آخر منه على المستقبل، وبينهما تتوه التوجّهات، ويتمّ تناسي العدوّ الأكبر للشعب والوطن، المتمثّل في النظام وزمرته الإجراميّة ومؤازريه من الداخل والخارج.

أمام هذا التفكّك والتشتّت في المشهد السوريّ، وأمام تنكّر القوى الكبرى لمسؤوليّاتها وواجباتها، أين يتوجّه مسار الثورة السوريّة، وهل حقّاً فقدت الثورة بوصلتها..؟
البوصلة المفقودة هي بوصلة السياسيّين التابعين لهذه الجهة أو تلك، في حين أنّ البوصلة التي تتّجه إلى تحقيق أهداف الثورة التي بدأت واستمرّت من أجلها ما تزال محتفظة بمسارها المرتبط بخيارات الشعب، ومع الضبابيّة التي تلقى على هذه المسارات يظلّ التوجّه نحو الهدف الأوّل المتمثّل بإسقاط النظام ومحاكمة مجرميه الخطوة الأولى للانتقال نحو تحقيق أهداف الثورة.

هيثم حسين

المصدر: موقع أورينت نت

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,306,382 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: