مقالات مختارة من الصحافة, مواقف الدول الأجنبية, مواقف الدول العربية, نظام الأسد, تحليلات وتقارير

مقاربة مختلفة لموضوعة الجهاد في سوريا : داعش والنصرة ( ولادة دولة – أمة)


جبهة النصرة

عادة يبدأ كل جديد  كغريب ومستهجن ، ثم يتمايز ويبلور صورته ليصبح مألوفا ، و غالبا ما تتحفنا الطبيعة بمظاهر مفارقة لمضمامينها ، وأحيانا توجد ظواهر بسيطة لكن لها دلالات كبيرة ، تضيء مسارات التحولات التاريخية الكبرى …   لكن دوما هناك مقاربات مخالفة للمألوف ، أو لما يطغى على العقل الجمعي من موضات يحركها تيار الاعلام السطحي المؤدلج ، الذي تحركه مشاعر غريزية هيستيرية غير واعية .. لذلك على القارئ الذكي أن يهرب من الشائع ويتجاوز الأشكال ليغوص إلى عمق الأشياء ويراها بدلالاتها المنطقية ، وهذا العقل لا يعتبر  رأيا بل تقييما محايدا ، لأنه لا عقل من دون نزاهة وحياد وتجرد عن الهوى .

نعم تدفق من الخارج عدد من المجاهدين ، لا يزيد عن عدة آلاف حتى الآن ، للمشاركة في الحرب ( الجهاد ) في سورية  ، قادمين من أرضية مختلفة ، يحملون معهم وجهة نظر واستراتيجية متجاوزة لأهداف الثورة ، وبعضهم ينتمي فكرا لتنظيمات اسلامية عالمية ، ترى الصراع في أفق أوسع ، كصراع على وجود  الأمة الإسلامية   …..  وانتشروا في بعض المناطق بين صفوف الثوار الذين يشاركونهم القيم الإسلامية ( المتشددة ربما ، لكن ليس التكفيرية ولا الارهابية ) ، فهم لم يمارسوا الارهاب على الأراضي السورية ، بحسب تعريف  الإرهاب الذي هو  ( استهداف المدنيين عشوائيا بأعمال عنف بقصد إثارة الهلع العام من أجل  تحقيق غايات سياسية ) . وهذا ما لم تمارسه أي من المنظمات الجهادية كمنظمات ، مع الاقرار بحدوث خلل لكن على مستوى فردي ، لكن هذه الجماعات ماتزال تلتزم حتى الآن سياسة الدفاع عن المجتمع والمدنيين ، وليس مهاجمتهم وترهيبهم ، بينما يمارس النظام الحاكم كل أشكال الارهاب ضد شعبه ، بشكل موسع وبإمكانات دولة ، وقد ورط بعض من أبناء الأقليات بحربه هذه ، واستعان بمرتزقة من دول أخرى ، واستخدم أسلحة الدمار الشامل لترهيب الشعب بل لإبادته أو تهجيره  ، دون ادانة واضحة من المجتمع الدولي ، فتهمة الإرهاب التي توصف بها هكذا مجموعات يبدو أنها غير مفهومة ، بل غير مقبولة من الشعب السوري ، و لا يجوز أن تنتقل جزافا بالقياس مع شكل الذقن واللباس السلفي ، بل لا بد من تكرر  سلوك واضح يبرر إطلاقها ، و إن حدثت بعض ردود الفعل على نطاق محدود ، فهي لا تقارن بالفعل المتسبب المتبع كسياسة ثابتة للنظام وأجهزته وشبيحته ولحزب الله والحرس الثوري الإيراني ، لأن البادي أظلم ، ولأنه يحق لأي مجتمع الدفاع عن نفسه ضد العدوان بكافة الوسائل المتاحة ، في ظرف غياب العدالة ، التي عطلت عمدا بالفيتو الروسي – الصيني  . ( تخيل قناص مرتزق يتسلى باصطياد النساء والأطفال ، ويتهم من يدافع عنهم بأنه ارهابي )

نظريا لا تهمة الإرهاب ، ولا حتى صفة الاستبداد ، تنطبق على هذه المجموعات ، فهي ليست ارهابية سلوكا ضد الشعب السوري (فقط من وجهة نظر النظام هي ارهابية و يتهم معها كل الشعب السوري) ، وهي ليست مستبدة أيضا ، لأن المستبد أناني يبيح لنفسه ما لا يبيحه للعامة ، ويضع مصالحه على النقيض من مصالحهم ، وتوصيفها السياسي المحايد أنها مجموعات دينية شمولية متشددة ديكتاتورية ، جاءت من مجتمعات شقيقة لمساعدة الشعب الضحية ، ولتنفذ ما تعتقد أنه واجب ديني ، وما زاد على ذلك التوصيف فقد طغى …..

   والفارق بين الاسلام السياسي الوسطي والاسلام السياسي المتشدد : هو أن الوسطي لا يتدخل كسلطة أمر ونهي وعقاب إلا بحدود الشريعة ( وحدود الشريعة المطبقة في الأرض بواسطة اليد – أي بواسطة رجال الشريعة والقانون – هي حفظ السلم الأهلي والنظام العام  فقط )  ، ولا شأن لأي سلطة أرضية بالعلاقة بين الإنسان وربه ، وبالتالي تعتبر الخطيئة الدينية غير خاضعة للعقوبات القانونية الدنيوية السلطانية ، فلا تتدخل السلطة في عقائد الناس وعاداتهم  وعباداتهم ، ولا في سلوكهم إلا في حدود تهديده للمجتمع والسلم الأهلي ، فهي سلطة مجتمع يبحث عن ادامة اجتماعه ،وليس سلطة اله ودين يعمل لتسويد الحق والخير و التقوى ، وهذا هو الفارق الذي يجب توضيحه بين الدين والدولة ، وبين سلطتيهما .

أما ممارسة  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، في حقل أبعد من  حدود  ( تهديد السلم الأهلي ) فتتم فقط  بواسطة اللسان كدعوة للخير، وليس باليد كسلطة شرطة ومطوعين  . فالشيطان باق إلى يوم الدين .. وحساب الانسان على الله ، و يكون على جملة عمله في الآخرة ، وليس حسابه على البشر ، وعلى كل صغيرة وكبيرة وبالمفرق في الحياة الدنيا ، (فكل امرئ خطّاء وخير الخطائين التوابون ) ، ولا بد من ارجاء الحساب المادي على كل ما لا يهدد السلم الاجتماعي ( و هو  الاسلام الوسطي الذي يرجئ الحساب على الصغائر إلى الدار الآخرة  ) وهذا الاسلام الوسطي لا يتناقض فعليا مع الديمقراطية وحقوق الإنسان ، وهو من حمى وجود التنوع والأقليات ورعاهم كشركاء طيلة قرون بالرغم من الهزات الكبرى التي حدثت في المنطقة ( مثل اجتياح المغول والصليبيين والاستعمار ) . لكن عندما أصبح هذا الاسلام الوسطي مهددا بالزوال (هويةً ووجودا )، و بالتهجير والابادة والخنوع (شعوبا ) . تحول للتشدد كحالة دفاع اضطرارية ضد خطر وجودي حقيقي وداهم ، بدأ قبل الحرب العالمية الأولى واستمر بمنهجية طيلة القرن الماضي والحاضر .

يعطي التشدد الاسلامي للأمير سلطة تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل درجاته باليد والقوة ، ليطبقه بواسطة رجال الشرطة المطوعين ، مع رفض فكرة الارجاء لأي تصرف منكر ، ويرافق ذلك تشدد  أيضا في تطبيق الحدود ، كقطع اليد والجلد وقطع الرأس والرجم ، إما بعدم تغليب غايات ومقاصد الشريعة على حرفها وشكلها ، أو حتى بعدم الأخذ باشتراطاتها الفقهية الكثيرة التي تعطلها غالبا ، و تبرر استبدالها بعقوبة التعزير ( الحبس) ، وبالتالي يميل الحاكم المتشدد لاعتبار نفسه ليس أمير الجماعة المؤتمن على حقوق الناس وحياتهم كجماعة ، (قاض ومبشر ونذير .. وليس بمسيطر )، بل يعتبر نفسه مكلفا بتنفيذ ارادة الله ، فهو خليفة الله وسلطانه على الأرض ، وليس الأمير المكلف  بإمارة الناس فقط . وهنا الغلو ، المتجلي بافتراض سلطة دينية له على الناس ، أي جعل سلطته المادية فوق ضميرهم الذي هو مسكن ايمانهم . ( لأن الايمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل ) وهو ليس طاعة السلطان السياسي ، و الخلل النظري هنا كامن في افتراض : ( أن الله لا يمارس سلطته على كل شيء، و أن التاريخ قد يسير رغم ارادته من دون عمل المؤمنين  ، و أنه معاذ الله يؤوده حفظ السماوات والأرض ،  و ينتظر منا أن نفعل له ، وليس لأنفسنا) ،مع أنه سبحانه هو  الغني الحميد الذي سبح له ما في السماوات والأرض طوعا وكرها .

(وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ) .

أما التكفير فهو أعلى سوية من التشدد نصلها عندما نساوي بين الكبيرة والصغيرة ، بتوحيد المبدأ : فالذي تسول له نفسه ارتكاب الصغيرة قد تسول له ارتكاب الكبيرة ، وبالتالي نستنتج أن ايمانه لا يحركه ولا يضبطه ، بل هواه ، فهو عندما يعلم أنها خطيئة ويفعلها بإرادته ولو كانت صغيرة ، فهو يتحدى الله ويفتري على نفسه ، وبالتالي يدخل في باب الكفر فوق الخطيئة ، ومن الناحية النظرية البحتة هذا منطقي  ، لكنه من الناحية العملية غير ذلك ، لأنه منطق أحادي ، فضوابط النفس ليست فقط نابعة من المنظومة الإيمانية اللغوية المحفوظة في الذاكرة ، بل هناك ضوابط أخرى حسية وعاطفية مزروعة بالتربية والتجربة والغريزة ، وكلها تعمل معا ، ثم قد تعززها الأنا العليا الضميرية التي تجاهد لتسود على نوازع النفس المختلفة والمتناقضة ، والتي تكون سيطرتها على الصغائر أقل من الكبائر ، فالأمر ليس فقط للمنظومة الايمانية التحريمية المنصوص عنها في الشريعة التي نحفظها ، بل أيضا للرغبات الموجودة في مستوى الحس والغريزة وتحت الوعي والوعي وصولا للأنا الأعلى ، وأخيرا بالمنظومة النصية التي تتقمص ما يحفظ من الشريعة عند المتدين المطلع و المفترض أنها تسكن هذه الأنا كإيمان يحرك الفعل ، لكنه ليس وحيدا

( ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها …  )

فالنفس ساحة جهاد ومنازعة ، ولا يقدّر التكفيريون  قوة نوازع النفس وقدرتها على الافلات من الرقابة خاصة في الصغائر ( كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون )  . والخطأ الثاني المنطقي أنهم يستنتجون الكفر والشرك بالقياس والمثل والتأويل ، وهذا لا يجوز إلا أن يكون تصريحا مقرونا بالسعي والنية عند الوسطيين . أما تطبيق حد الحرابة ، فهو لا يرتبط بالقول ، بل بالفعل المؤدي للأذى الاجتماعي الهائل ، الذي يهدد بالفتنة والعودة للوحشية . ومشروط بالخروج المادي على سلطة القانون ( الشريعة ) ، وليس على الحاكم السياسي ، بالوسائل السلمية .

هذا التشدد  الذي يصل أحيانا للتكفير ، هو  من انتاج العقل الدوغمائي ، الذي هو نمط تفكير ثنائي الحد أيديولوجي ، متخصص في فترات التوتر والانفعال والخوف والأزمات الوجودية ، التي  تتردد في التاريخ . وعلاجه ليس إلا عبر تغيير الظروف وتغيير العقل القارئ للدين ، لننتج قراءة أخرى مختلفة غير تكفيرية ، والفارق ليس في النص الديني المقدس ، بل بالعقل القارئ لهذا النص الخاضع لتغير الظروف وتغير المعارف والعلوم اللغوية والفلسفات ، مع ثبات النص .

إن ظروف الحرب الرهيبة هي من وجهت الدعوة لهؤلاء للقدوم كمهاجرين ، وهم من قدم نماذج قتال متطورة ، وأفكار عسكرية وتنظيمية فعالة ، لكن المشكلة نشأت عندما شكلوا فصيلهم الخاص المتميز بالتنظيم والانضباط ، و عندما أعلنوا ارتباطهم الافتراضي  بالمنظومة الجهادية العالمية دون ارتباط فعلي مثبت ، و عندما تطوع معهم عدد من الثوار الأنصار السوريين الذين انبهروا بأدائهم ، أو أحيانا بسبب الوفرة التي لديهم .

حدثت المشكلة عندما تطورت إمكاناتهم على التمايز والترسخ كفصيل منفصل ، و انتشرت سمعتهم بسرعة بالغة ، عندما بالغت بعض الدول في عدائها لهم ، وبالغ النظام وحلفاءه في حجمهم وسلوكهم ، مما أكسبهم هيبة وقوة ، حتى تشجع فريق منهم على محاولة اقامة دولته ( داعش كتفرع  عن جبهة النصرة ) ، تلك الدولة التي يعتبرونها القاعدة التي لابد منها لانطلاق الثورة الاسلامية ؟؟

وهكذا ركزت داعش على تجميع موارد هذه الدولة وتأسيسها ، ولم تهتم بالمعارك التي تدور على الأرض مع النظام (التي هي سبب قدومها كنصرة جهاد ) ، واستطاعت الافادة من الفراغ  في المناطق المحررة ( بسبب غياب سلطة المعارضة عنها )  للسيطرة على موارد ومساحات واسعة جدا ، ولفرض سلطانها فيها دون ممانعة من أحد ، وكسبت بعض الرضا من فرضها للأمن وتأمينها لمستلزمات الحياة ….  لكن قواعد قيام الدولة ليست فقط في الحواجز والمحاكم وآبار النفط ، بل لا بد لها من بنية تحتية مجتمعية ، وهو ما تفتقده داعش وستبقى تفتقده على ما يبدو ، لأنها متشددة في تطبيق الشريعة لدرجة مرعبة ومنفرة ، درجة تجعل الجماهير يعادونها قلبا وفعلا ( التدخين مثلا ) ..

مع أن تشددها لا ينبع عن عداء أو حقد على العامة ، ولا عن رغبة في السيطرة والاستعباد كما يشاع ، بل كتعبير عن فهم مختلف متشدد للجهاد ، (فالنصر من الله ، ولن يأتي ونحن نرتكب المعاصي ونهمل الفروض والسنن ) ، ولأننا في شدة وجب علينا التركيز على الطاعة التامة كبوابة للنصر ، لكن هذا التشدد تسبب في فقدانها للقاعدة الشعبية الضرورية لأي سلطة . وهكذا بدأ مشروع هذه الدولة يتلاشى عاموديا رغم امتداده عسكريا ( حواجز وطرقات ) ، وبدأت تتناقض مع القاعدة المجتمعية التي ستقيم عليها دولتها ، وبدا مشروعها محددا لذاته ، لغياب أهم مكون من مكونات الدولة وهو الشعب المتفاعل معها ، وعليه لا يعقل أن تشكل هذه المشاريع السياسية خطرا حقيقيا على الشعب السوري ومستقبل دولته  ، فتشددها المبالغ به ، وبعض تصرفاتها المفرطة في القسوة . هي عنصر ضعفها ، ولكي تستمر عليها أن تتغير وتقترب من الشعب الذي هو أقوى من أي مليشيا ، وبمقدار ما تقترب من الشعب يتضاءل تشددها ويزول خطرها ، وتضمحل هويتها المتشددة …

في التقييم السياسي الثوري هي حتى الآن ليست أكثر من قوة أجنبية صديقة منعزلة متشددة ،مشروط وجودها  بظرف الحرب،  وما يحدث الآن بشكل تلقائي هو  انفصال حقيقي وثابت  بين الشعب والدولة ( داعش ) ، وفي داخلها انفصال بين عناصرها السوريين عن غير السوريين ، وبالتالي يتجه مسارها نحو تقوقع المهاجرين غير السوريين و انعزالهم ، ليعودوا كمجاهدين مهاجرين يساعدون أخوتهم ( نصرة ) ،  وهذا يحصل بتطور الأوضاع التلقائي والطبيعي ، ولا حاجة لأي فعل آخر ، سوى ملء الفراغ في السلطة والخدمات ، وتقديم البديل عن سلطة هذه الدولة من سلطة (اسلامية بالضرورة في هذه المرحلة ) يرضى عنها الناس وتعبر عنهم ، واستعادة المقاتلين الذين يذهبون لأي مكان يجدون فيه الطعام والذخيرة ، فالفراغ هو من أوجد الدولة ( داعش ) ، ونقص الدعم عن الثوار هو من جعلها تضم الكثير من السوريين ، والتهويل الغربي هو من قوّى شوكتها وشد عصبها ، ونقص تنظيم المعارضة هو من جعلها تتفوق حيث توجد ، ولا أعتقد أن عدة آلاف من المقاتلين الأجانب يستطيعون اقامة دولة ، من دون قاعدة شعبية واسعة ، وهو ما فشلوا في كسبه طواعية ولا يفيد كسبه قمعا  .

لذلك وبالرغم من محاولة النظام ومسطحي العقول شيطنة وتهويل داعش ، (في محاولة ضمنية لإيجاد وتبرير عناصر الوحدة مع المختلف في الطرف الآخر ، عن طريق خلق عدو مشترك مضخم بطريقة أسطورية ، تبرر به المعارضة المترددة العودة لأحضان النظام ، ويبرر به النظام اعادة شرعيته عند من لديهم عقدة خوف الإسلام ) .. لا أرى ضرورة للمبالغة بالخوف منهم ، ولا ضرورة للحرب معهم ، بل لابد من التفكير في استيعابهم ضمن الثورة ، ثم المجتمع ، وهذا يتطلب مقاربة أخرى لموضع داعش ، بينما قطعت النصرة معظم طريق عودتها لصفوف الثوار السلفيين السوريين ، وتخليها عن فكرة السيطرة على الدولة بالقوة …  و يقع على عاتق قادة السلفية الجهادية المهيمنة الآن أن يفتحوا الطريق أمام استيعاب داعش وتحولها نحو حلول وسطية وتدريجية لإنهاء حالة الانقسام ، وتوحيد البندقية في هذا الظرف الصعب والتآمر الدولي الأخطر ، مع السعي الجدي لدمج هؤلاء المهاجرين في المجتمع السوري ، أما التفكير بطردهم فسيتسبب بمشاكل لهم ولدول أخرى ، والمنطق والحكمة يقتضي التفكير باستيعابهم ودمجهم في المجتمع السوري المسلم المعتدل كونه قادر على صهرهم في بوتقته المرنة الوسطية.

لا يوجد في السياسة أسود وأبيض فقط ،  فلكل ظاهرة حسنات وسلبيات ووجوه مختلفة ، ومن وجهة نظر أخرى هؤلاء المجاهدون و أمثالهم المستعدون للقدوم للجهاد في سوريا ، هم ورقة قوة وعنصر أمان يضمن هوية الشرق  العربية الموحدة له ، وبقاء مذهب أهل السنة والجماعة غالبا فيه وحاضنا لتنوعه ، في مواجهة الشيعية السياسية الفارسية ، إنهم عنصر التوازن الاستراتيجي الأخير في وجه الإيراني المدعوم من روسيا ، الشريك مع اسرائيل في تقاسم المنطقة ، والمتصالح مؤخرا مع الغرب ، والذي يهدف لمحي  هوية المنطقة واستبدالها بعرقيات وطائفيات ، بواسطة حرب الإبادة والتهجير والتشييع السياسي ، التي شنها ويشنها في العراق ولبنان وسوريا وغدا في كل الدول  الخليجية التي بدأت شعوبها تستشعر الخطر الوجودي ، بعد التقارب الفارسي الأمريكي الروسي المشبوه ، وهو ما  قد يفتح الباب نحو ثورة عارمة في كل المنطقة ضد الهيمنة والتآمر وضد حرب الإلغاء التي تشن على العرب السنة ، من قبل تحالف غربي – شرقي رأس حربته هم الأقليات بكل أسف ، الأقليات التي تقبل أن توظف  في مشاريع غير وطنية ،و تدفع لارتكاب جرائم ضد الانسانية ، وتتورط في  قتل الناس وإبادتهم ، دون أن تقدر حجم ونوع ردة الفعل التي ستحدثها عند الآخرين .

على ما يبدو ..  أن الحفاظ على الشعب ووحدته والوطن وحدوده وسيادته ، سوف يتطلب المرور بنوع آخر من الشموليات هو ديكتاتورية الأغلبية ، التي ربما ستكون أعدل كثيرا من ديكتاتورية الأقلية التي فرّطت بالبلاد والعباد ، بل ربما أعدل من ديمقراطية الأقليات ، المشروطة بالتبعية والتحلل ، والتي تضحي بالسيادة والهوية ، أي أن  هذه الشمولية ستتيح الفرصة لبقاء الأوطان مستقلة عزيزة حرة ، وبالتالي تهيء الظرف لثورة داخلية ديمقراطية حقيقية أخرى ..  من داخل التراث والهوية ، وبيد الأغلبية التي سوف تجد مصلحتها في تطوير نظامها الوطني ، دون التضحية بثوابت الوطن على مذبح (ديمقراطية مكونات مزيفة ) تنتج التخلف وترتهن للتبعية ، وهنا دور المثقفين الإسلاميين في اعادة قراءة دينهم بطريقة أكثر انسجاما مع العصر ، وهو المدخل الإيجابي الوحيد المتاح لنا نحو الحضارة ، وما عداه يبدو أنه عملية اندثار وغياب عن التاريخ كأمة .

كان بالإمكان الضغط على الأنظمة المستبدة الموالية للغرب لفتح باب الإصلاحات ، أو للانتقال لشكل من أشكال ديمقراطية الأقليات ( السياسية والطائفية ) على هشاشتها في بداية الثورة بمساعدة خارجية ، لكن اهمال الغرب لمسؤولياته ودوره ، واستخفافه بإرادة الشعوب العربية بالتغيير والخلاص من حالة التبعية والهوان والخنوع ، وخوفه المبالغ به من الإسلام ومن وحدة المسلمين ، رغم أننا في عصر الاندماج الكوني ، وعصر الدول المتجاوزة للقوميات ، ثم  قدرة النظام المجرم على تحويل المعركة مع الثورة ، لحرب اقليمية ، وحرب ابادة ضد الأغلبية ، وتوريطه البعض من الأقليات فيها ، كل ذلك قتل هذا الاحتمال ، وأجبر الثورة  على السير بطريق ابعد وأطول ، للصمود في وجه الطغيان والذل و حرب التهجير والفناء ، ثم  اعادة بناء الوطن السيد الحر ، وبعدها السعي لتطوير نظامه باتجاه الديمقراطية التي لا تكون على حساب الوحدة والهوية والسيادة ،

ما أقوله للإسلاميين : أن الشكل المطروح حاليا لوحدة الأمة الاسلامية ربما ليس هو الشكل العملي المناسب ، لكن مجرد طرح الفكرة أو التفكير فيها هو شيء ضروري وهام ، ليس فقط لتجاوز حالة الهوان التي تعيشها الأمة المقسمة ، بل لأن الأمة الإسلامية التي تبحث عن شكل وجودها في العالم المعاصر ، هي الوحيدة التي يمكنها أن تحمل رسالة أخلاقية ، تجعل من وحدة هذا العالم مبنية على مقدسات وقيم ، وليس على هيمنة الأكثر وحشية والأقل أخلاقا ، فقط لأنه انتصر في حرب عالمية استعمل فيها أسلحة الدمار الشامل ، والذي يقود العالم من أزمة إلى أخرى ويعجز عن ادارة أي ملف حضاري ..  لا اقتصادي ولا سياسي ولا حقوقي ، ولا أمني .. ثلاثة على الأقل من الدول ذات الحق بالفيتو متغطرسة ، ولا تحترم إلا مصالحها القومية . وتطيح دوما بكل القيم والقوانين من أجل أنانياتها .. فكيف يمكن لبقية الشعوب أن تنضم للمجتمع الدولي من دون منظومة قيم تحفظ حقوق الضعيف …

ما أقوله للغرب : يخطئ كثيرا من لا يقدر حجم المعاناة التي يعانيها كل مواطن سوري عايش النظام ، وحجم خيبة الأمل الذي يحدثه التساهل مع المجرم ، ومقدار شعبية من يقدم لهم أي نوع من المساعدة ، فما حدث ويحدث رهيب وقبيح واستثنائي لدرجة تثير الجنون  ……   كما أن الامعان في سياسة التفرقة  والهيمنة والتقسيم وإثارة النزاعات المحلية التي تهدف لتدمير العدو المحتمل ، وهو هنا الأمة العربية والاسلامية ، هو بالضبط ما يسرع الخطى نحو تبلورها  ، فالشعوب التي ثارت ضد الهوان لا تهزم بل تغير أيديولوجياتها ، وكما كانت سياسة الغرب في دعم الاستبداد العسكري لوقف المد الشيوعي خاطئة ، ستكون السياسة العدائية التقسيمية خاطئة أيضا وقصيرة النظر ، لكونها لا أخلاقية ، ولكون الأخلاق هي قانون وجود التكوين الاجتماعي الانساني ، القانون الطبيعي الذي يجعل كل من يخالفه يدفع الثمن غاليا  .

و البديل الأرقى عن سياسات العداء والهيمنة التي لن تولد سوى العنف وعدم الاستقرار ، هو الاحترام المتبادل و التنافس الأخلاقي والتعاون بين الشعوب ، عملا بقوله تعالى :

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )

صدق الله العظيم

كمال لبواني

المصدر: موقع كلنا شركاء

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,314,967 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: