مقالات مختارة من الصحافة, مواقف الدول الأجنبية, مواقف الدول العربية, نظام الأسد, الحلول السياسية, تحليلات وتقارير

«جنيف – 2» إضافة للأزمة وليس للحل . . بقلم: عبد العاطي محمد


كاريكاتير الطريق إلى جنيف 2

في الأفق زخم كثيف يدفع الى عقد مؤتمر «جنيف – 2»لحل الأزمة السورية، ولكنه لا يجب أن يحجب الرؤية للوقوف على حقيقة المواقف الدولية فيما اذا كانت راغبة بالفعل في الحل، أم أنها تريد استغلال الأزمة لتحقيق مصالحها في الشرق الأوسط بالمقام الأول، وليس مصالح سوريا: الشعب والسلطة والمعارضة.

فلاشك أن الاهتمام الدولي الذي يصل الى حد المبالغة بضرورة عقد المؤتمر، بعد تراخ متعمد عن القيام بتحرك جاد ليس فقط على الصعيد العسكري، وانما أيضا على الصعيد السياسي ذاته، وعدم التوافق من الأساس على تفسير مشترك لما جاء به مؤتمر جنيف – 1 ، ورغم ذلك يجرى دفع الأطراف المعنية دفعا لعقده، يعدان من الأمور التي تثير الشك في صدقية وجدية الموقف الدولي حيث يخدم في هذه الحالة أغراضا أخرى ظاهرها الحرص على سوريا، بينما باطنها تبادل المصالح بين القوى الكبرى والاقليمية المعنية وحماية أمن اسرائيل.

قبل نحو عام من الآن وتحديدا في آخر يونيو 2012 انعقد مؤتمر «جنيف -1» فيما اعتبر خطوة دولية جادة لوقف نزيف الدم في سوريا بين قوات النظام والمعارضة والذي دفع الثمن الأكبر فيه أبناء الشعب السوري الأبرياء، وبهدف وضع أساس لحل سلمي ينقل البلاد الى وضع سياسي جديد يلبي أهداف الثورة السورية ويحفظ للبلاد وحدتها الوطنية والجغرافية. ووفقا لبيان المؤتمر اتفق المجتمعون من الأطراف الدولية المعنية وتحديدا الولايات المتحدة وروسيا على أن بداية الحل السلمي تتمثل في تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية بما في ذلك تولي مسؤولية الجيش والشرطة وأجهزة المخابرات. وبعدها بدأ المبعوث الدولي والعربي المشترك السيد الأخضر الابراهيمي جولات مكوكية عديدة لتفعيل صيغة «جنيف -1» .

وآنذاك، وبرغم الترحيب المتحفظ من النظام السوري والمعارضة، بدت الأوضاع مبشرة بالخروج من دائرة الصراع الدامي الذي نقل الثورة السورية من طابعها السلمي في البداية الى الطابع المسلح. وأبدت الجامعة العربية ترحيبا مماثلا وتعاونا مع الابراهيمي. ولكن لم تمض أسابيع قليلة حتى انقلب التفاؤل الى تشاؤم مرة أخرى بسبب استمرار الأعمال المسلحة من الطرفين، والتصريحات المتشددة من الطرفين، كل يتمسك بموقفه الذي يقصي الآخر، وهدد الابراهيمي بالاستقالة من مهمته ثم عاد عنها وأعطى لنفسه ما يشبه الاجازة المفتوحة انتظارا لأن يجد جديد، وفي نفس الوقت نست الأطراف الدولية أن هناك اتفاقا اسمه «جنيف-1».

وبعد ما يقرب من العام دبت الحياة مجددا في طرح الحل السلمي للأزمة على خلفية التحول المفاجئ في العلاقات الأميركية الروسية فيما يتعلق بهذه الأزمة تحديدا، حيث توصل الطرفان الى توافق سياسي يعيد التأكيد على أن الحل العسكري غير ممكن وليست هناك أي فرصة لأي من الطرفين النظام والمعارضة لحسم الصراع لصالحه عسكريا، ومن ثم ليس هناك من حل سوى التفاوض. ولم تبد المعارضة ارتياحا لهذا التطور لأن الولايات المتحدة كانت قد أكدت مرارا مساندتها للمعارضة من حيث توفير الدعم السياسي والعسكري أيضا، الا أنها من الناحية العملية ركزت فقط على الدعم السياسي ولم تتحمس لتقديم دعم عسكري للمعارضة بدعوى الخوف من أن يصل السلاح للجماعات المسلحة المتطرفة التي تشكل الجانب الأكبر من المقاومة المسلحة لقوات النظام.

وبعد أن ازدادت الأوضاع المأساوية في البلاد، وتحت تأثير الانتقادات التي وجهت للموقف الأميركي والأوروبي المتخاذل للتدخل عسكريا ضد النظام، عادت ادارة أوباما لتهديد النظام بالقيام بعملية عسكرية نوعية، واستندت في قرارها بالمواجهة المسلحة معه الى ظهور تقارير من استخباراتها تتحدث عن قيام نظام بشار الأسد باستخدام أسلحة كيماوية (محرمة دوليا) ضد المدنيين في حربه مع قوات المعارضة، وتم استنفار القوات الأميركية لتوجيه ضربة لقوات النظام تجعل الوضع على الأرض متكافئا بينها وبين قوات المعارضة. وعلى الفور تحركت روسيا واستطاعت أن تقنع نظام الأسد بالخضوع لاجراءات دولية تؤدي الى تفكيك ما لديه من أسلحة محرمة، وعندما استجاب الأسد تراجعت الولايات المتحدة عن الضربة العسكرية، وهو الأمر الذي أحبط المعارضة وجدد قلقها من غموض الموقف الأميركي، أو بالأحرى عدم جديته في انهاء الأزمة لصالح المعارضة.

وفي ظل استمرار حالة التوافق بين روسيا والولايات المتحدة حول العمل بخيار واحد هو الحل السلمي، ومع تراجع التهديدات العسكرية الأميركية، بات مؤكدا لدى المتابعين للأزمة أن الدولتين قد توصلتا الى اتفاق أو تفاهم مبدئي على التسوية السلمية في سوريا دون الكشف عن التفاصيل. ولأن التطورات السورية الأخيرة تزامنت تقريبا مع ما يمكن اعتباره انفراجا في الأزمة بين واشنطن وطهران على خلفية البرنامج النووي الايراني، وذلك بعد وصول حسن روحاني للرئاسة الايرانية الذي يريد انفتاحا على الغرب للتخلص من أزمتها الاقتصادية التي ترتبت الى حد كبير على استمرار العقوبات الاقتصادية الغربية على طهران، أصبح هناك اعتقاد بأن صفقة سياسية ما قد جرى الاتفاق عليها بين روسيا والولايات المتحدة انطلاقا من حل الأزمة السورية سلميا بصيغة مؤتمر «جنيف-1».

وبمقتضى هذه الصفقة أصبح على الولايات المتحدة أن تقترب من الرؤية الروسية لحل الأزمة السورية، مقابل أن تدخل روسيا لدى طهران للتراجع عن مشروعها النووي. وحيث اتجهت التطورات في المشهد برمته نحو هذه الحسابات، تأكدت مخاوف المعارضة السورية مما جرى تدبيره في الخفاء بين موسكو وواشنطن. ومما عزز من ذلك تغير لغة الحوار من جانب واشنطن تجاه طهران، حتى انها بدأت تتحدث عن اتفاق قريب بين الطرفين على تسوية خلافاتهما، والتراجع عن اصدار عقوبات أكثر تشددا من الكونجرس بطلب من أوباما.

وعلى الجانب الآخر ضغطت واشنطن بشدة على المعارضة السورية للمشاركة في مؤتمر «جنيف-2» المزمع عقده أواسط نوفمبر، برغم علمها عدم رغبة المعارضة في المشاركة استنادا لرؤية لديها بأن المؤتمر بمثابة بيع الثورة السورية لبشار الأسد ومن ثم ضياع كل التضحيات التي تكبدتها المعارضة وملايين المدنيين السوريين.

اللافت أن صيغة «جنيف-1» والتي تم الاتفاق على أن تكون الأساس في «جنيف-2» تتضمن بنودا تحمل تفسيرات متعارضة، فليس محددا دور بشار الأسد في المرحلة الانتقالية حيث سكتت الصيغة عن هذا الدور ولم تعلن صراحة خروجه من الحكم، وأشارت الى ان النزاع سينتهي عندما تطمئن كل الأطراف على وجود طريقة سليمة نحو مستقبل مشترك للجميع، وقالت ان ذلك يتحقق بجدول زمني حول خطوات غير قابلة للالغاء. ولكن لم تتحدث عن المقصود بكل الأطراف، ولا عن الجدول الزمني ولا عن الخطوات المحددة. ومن جهة أخرى دعت الصيغة الى حوار وطني شامل ويضم جميع القوى وشرائح المجتمع ويكون مجديا، وكلها عبارات فضفاضة تسمح بالخلاف أكثر مما تسمح بالتوافق. وأمام الغموض الذي يحيط بهذه الصيغة طلبت مجموعة أصدقاء سوريا ضرورة اقصاء الأسد عند تشكيل الحكومة الانتقالية,بما يعني أنه اذا كان حتميا أن يشارك في المفاوضات من خلال من يمثله، فلا دور له بعد ذلك. ومن جانبها لا تقبل المعارضة بأي دور للأسد سواء خلال التفاوض أو بعد تشكيل الحكومة الانتقالية.

في الاطار السابق لا يمكن فهم اصرار الولايات المتحدة وروسيا على عقد «جنيف-2» الا على أنه رغبة في عقد المؤتمر في حد ذاته، والعمل على استمرار المفاوضات وفقا لصيغة «جنيف-1» حتى لو كانت هناك عقبات على النحو السالفة الاشارة اليه. وان ظهرت عقبات- وستظهر حتما- فن الطرفين : الولايات المتحدة وروسيا يتكفلان، وبمساعدة من الابراهيمي، بتذليلها، أو بالأحرى فرض الحلول على كل من الطرفين.

لا تتوقف العقبات عند ما تحمله صيغة «جنيف-1» من كلام مبهم يفتح أبوابا واسعة للخلافات، خصوصا في ظل عدم الشفافية في الموقفين الأميركي والروسي وما جرى بينهما من توافق على حل بعينه لا تعرفه بقية الأطراف المعنية، وانما هناك تقديرات أخرى لمسار المؤتمر – في حال انعقاده فعلا- لا تبعث على الاطمئنان.

عبد العاطي محمد

المصدر: جريدة الوطن

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,309,806 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: