مقالات مختارة من الصحافة, مواقف الدول الأجنبية, نظام الأسد, المعارضة السورية, الجيش السوري الحر, الحلول السياسية, تحليلات وتقارير

«جنيف 2» وشروطه وأسئلته الكثيرة المتجددة . . بقلم: ياسر الزعاترة


ياسر الزعاترة

من المعلوم أن التفاوض بين فريقين أو معسكرين متحاربين، إنما يعتمد على ميزان القوى القائم على الأرض، وهو (أكثر من أي شيء آخر) ما يمكنه التأثير الجوهري في مسيرة التفاوض، ولذلك كان الفيتناميون يصعّدون عملياتهم قبل أن يذهبوا إلى التفاوض، وكانوا يرفضون شرط وقف النار مقابل التفاوض. في الحالة السورية، وفي سياق الحديث عن جنيف 2، يمكن القول: إن معسكر النظام هو الذي يبدو أكثر وعيا بهذه المعادلة، فيما لا يبدو الأمر كذلك في المعسكر الآخر (معسكر الثورة)، والسبب كما يعلم الجميع هو أن الحالة السياسية لا تعبر كثيرا عن الحالة العسكرية، فضلا عن أن هناك قطاعات كبيرة بين الثوار لا تؤمن أصلا بفكرة الحل السياسي، والأهم أن ذلك التشتت الكبير في معسكر الثوار يجعل من الاتفاق على تصعيد متزامن أمرا بالغ الصعوبة. في المقابل، يعيش معسكر النظام وحدة استثنائية، فهو يتحرك بإيقاع واحد تحت إمرة قيادات من الحرس الثوري الذين لا يديرون عناصرهم (أو من وجد منها على الأرض)، أو عناصر حزب الله والكتائب الشيعية الأخرى فقط، بل يديرون عناصر النظام من جيش وشبيحة أيضا. والحال أنه لولا التدخل الإيراني الواضح في المعركة، لما كان بوسع النظام أن يتقدم في أية منطقة، فقد مضى عليه أكثر من عام قبل تدخل حزب الله، والعناصر الشيعية الأخرى (والحرس الثوري بطبيعة الحال)، مضى أكثر من عام كان النظام خلاله يكتفي بالدفاع عن المناطق التي يتواجد فيها، وهي المدن بشكل أساسي، فيما كان الثوار يحاولون التقدم نحو تلك المدن من دون أن يحرزوا الكثير من الإنجازات، باستثناء تحرير الرقة، وقبل ذلك جزء لا بأس به من حلب، والأهم أن مواقعهم حول دمشق ظلت صامدة رغم القصف اليومي. اليوم، وتحت إمرة الحرس الثوري، يتقدم النظام في مواقع عديدة رغم مقاومة شرسة (يتقدم الثوار أيضا في بعض المواقع)، بخاصة في محيط دمشق وحلب. وفي حين يدرك النظام أن إنهاء الثورة بالجهد المسلح سيكون مستحيلا، ولو استمرت المعركة عشر سنوات أخرى، فإنه يدرك أيضا أن الأجواء الدولية باتت أقرب إلى البحث عن حل سياسي، والسبب كما يعرف الجميع تهديد ما يجري لسوريا ككيان موحد، الأمر الذي يقض مضاجع الصهاينة أولا بسبب الخوف من الفوضى ومن سيطرة «الجهاديين» على مواقع وأسلحة يهددون بها الأمن الصهيوني. من هنا برز التوافق الأميركي الروسي اللافت حول الملف السوري، لاسيَّما بعد أن تم إنجاز اتفاق الكيماوي، فيما لم يمنع ذلك الكيان الصهيوني من استهداف مخازن أسلحة يُخشى أن تقع أيضا بيد جماعات لا يمكن السيطرة عليها، وكان فيها صواريخ مضادة للطيران، وقد كان رد النظام على ذلك هو السكوت المطبق كما يعرف الجميع. والحال أن الكيان الصهيوني ليس وحده الخائف من التقسيم والفوضى، فهناك تركيا التي تخشى التقسيم إذا استمرت المعركة، كما يتبدى ذلك واضحا من سلوك حزب العمال الكردي، وليس بعيدا عن ذلك خوف حكومة أردوغان من تصاعد النفس الطائفي لدى العلويين بسبب الموقف من سوريا، فضلا عن قلقها من تصاعد نفوذ الدولة الإسلامية في العراق والشام، وإذا أضيف إلى ذلك غضبها (وكذلك خوفها) من تآمر معسكر الثورة المضادة عربيا ضدها، فقد أدى ذلك كلها إلى ميلها للحل السياسي.  لا يختلف الأمر بالنسبة لإيران، ذلك أن تقدم النظام على الأرض، لا ينفي حقيقة يأسها من الحسم العسكري، فضلا عن خوفها من الكلفة الهائلة التي تدفعها في المعركة، في وقت تعاني فيه اقتصاديا بسبب العقوبات، ولذلك يبدو أن الجميع بات ميالا للحل السياسي، لاسيَّما أن اليأس من الحل العسكري (قريب المدى الأقل) قد أصاب الجميع. على أن البعد الأهم في المسيرة نحو جنيف 2، إنما تتمثل عمليا في التوافق الروسي الأميركي، وهو ما يجعل مشاورات المؤتمر حكرا عليهما، فيما سيكون عليهما بعد ذلك أن يأتيا بالأطراف الأخرى. وفي حين تبدو المواقف الأميركية متناقضة في التصريحات المعلنة، فإن الجميع يدركون أنها لم تعد تمانع في بقاء بشار خلال المرحلة الانتقالية، مع علمها بأن روسيا وإيران لم تعودا تمانعان أصلا في رحيله لاحقا إذا جرى الاتفاق على صيغة مناسبة للنظام الجديد. المعضلة كما قال الإبراهيمي في تفسيره لفشل اجتماع الروس والأميركان بحضوره (5/11) هي في المعارضة، ونزيد أنها في المعارضة وداعميها، فالائتلاف يصعّد من شروطه دون أن يكون له وضع على الأرض، ودون أن يكون بوسعه تغيير ميزان القوى، فيما يراد لبعض المعارضة الداخلية أن يكون لها حضور أيضا؛ غير أن ذلك لن يمنع الائتلاف من حضور المؤتمر بدعم عربي تركي. وفي النهاية لم يكن أمام الائتلاف غير إعلان الموافقة على حضور المؤتمر، وهو موقف صائب على ما يبدو، لاسيَّما أن النظام كان يتمنى الرفض قناعة منه بأن التأجيل سيمنحه فرصة مزيد من التقدم على الأرض.
كل ذلك يشير إلى أن المؤتمر في طريقه إلى الانعقاد، سواء نهاية العام الجاري، أم بعد ذلك، وستعتمد نتيجة المؤتمر على طبيعة الحكومة الانتقالية التي سيُتفق عليها، ودور النظام فيها، والنتيجة أن مؤشرات كثيرة ما زالت تشير إلى إمكانية الحل السياسي، ويبقى المدى الزمني الذي ستستغرقه المفاوضات، والأهم المدى الزمني لتطبيق المتفق عليه على الأرض، وتلك قصة أخرى في ظل وضع القوى العسكرية على الأرض، والذي يدرك الجميع ما بينها من تناقضات، وما بينها وبين السياسيين من تناقضات أكبر كذلك.

ياسر الزعاترة

المصدر: العرب

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,309,708 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: