مقالات مختارة من الصحافة, المعارضة السورية, تحليلات وتقارير

إنهّا الثورة المضادة . . بقلم: د. سماح هدايا


كاريكاتير الثورة السورية

ارتكب السياسيون العرب في المرحلة الأولى من ثورات الربيع العربي أخطاءً فادحة أساسها، التّوجّه الذليل بالموالاة للعالم الخارج، استجداء واستعطافا واسترضاء، على الرغم مما تحلت به الثورة الشعبيّة من طاقة الكبرياء والعنفوان، على أمل مساعدتهم في عملية إسقاط النظام سياسيا أو عسكريا وإغاثيا.. ولم يتوقف الاستجداء مع اتضاح الصورة السلبية للخارج، فقد استمرّ كثيرون يلهثون وراء الخارج يتسكّعون ويتسوّلون على الموائد الدولية العلنية والسرّيّة.. ويعزفون على هذا النغم باحثين عن حلول جاهزة وسريعة غير مجهدة مستخدمين ورقة الإرهاب الإسلامي لجذب الغرب، ليدعم مصالحهم… لكنّ النتيجة جاءت فشلا ذريعا نحو تقديم أي معونة لإسقاط النظام، بل أربكت الثورة أشد إرباك، وأشاعت إحباطا شعبيا وسياسيا نتيجة التضليل الذي أجروه في وجدان الناس وعقولهم بسهولة معركة سقوط الأنظمة الطاغية، وسرعة التخلّص من الاستبداد. ثم تحوّل السياسيون، بقصد، أو من دون قصد إلى عناصر نشيطة وفاعلة في الثورة المضادة.
ما يجري الآن هو محاولات انقلاب على الثورات، أي ثورات مضادة مدعومة بقوى سياسية محليّة ودوليّة لمواجهة ثورة كبرى لم تنجز بعد مهمتها؛ فدربها طويل. يرافق ذلك إحباط واسع وعميق، سببه انسداد الرؤية، وتساقط الأحلام والتضحيات في أغوار الهوة السحيقة التي يحفرها الانقلابيون من الأقليات وبيوتات المال وعصابات الإجرام بتنسيق مع الجحور الأمنيّة واستخدام المال والإعلام . وبالتوازي يسود في عقل الشعب الجمعي قلق وحيرة واستهجان من مواقف المعارضة والمساءلة في الهزيمة تزداد تحت ضغط معيشي خانق، وانهيار اقتصادي معجون بالمجاعة والأوبئة والنزوح . إنها النكبة السوريّة الفظيعة. والناشطون مستنزفون إغاثيا وسياسيا وأمنيا وإعلاميا من الداخل والخارج.

يتحمّل السياسيون والمعارضون التقليديون والناشطون المدنيون المخضرمون وقادة القتال العسكري من المنشقين وغيرهم، مسؤولية الأوضاع السيئة ونتائجها؛ فإداركهم لطبيعة الواقع والثورة ضعيف جداً، مبني على تصورات تقليدية راسخة؛ لأنهم ماشهدوا في وعيهم المباشر، عبر عقود، ثورة حقيقية، فعلاً، حتى يفهموا الأمور ويدركوا تحليلها بعين التجربة الثورية…
اليساريون والقوميون والإسلاميون اعتادوا الانقلابات وصراعات القيم السياسية الاجتماعية الراسخة في المجتمع. توصيفات جاهزة) مثل رجل الدين. رجل المال. المتدين . الكافر)….ماعاركوا التغيير الجريء الحقيقي ومانضجوا مع التطوّرات فعلا وقولا.وموقفا. بل عرقلوا الأداء الثوري بعجز إدراكهم وإصرارهم على تقديم الوصفات والتوصيفات ذاتها :علمانية. اشتراكية . شيوعية. مواطنة. إرهاب ديني. محافظون. ليبراليون. إسلاميون. من دون ربطها بمستجدات الواقع الثوري ومتطلباته الجديدة، أو تقديم آليات عمل واضحة ناضجة: ولذلك، فمن الطبيعي انقضاض جموع منهم على الثورة، كما حصل في مصر ؛ ليتخلصوا من العدو الراسخ المتمثل بالحزبية الإسلامية. وهرولة جموع أخرى وراء الرجعية العربيّة النفطيّة الثريّة، للتخلّص من أسلمة الثورة. بينما يلهث الإسلاميون التقليديون بحثا عن سلطة وقيادة.
مجتمعاتنا لم تتطور بالشكل الذي تطوّرت عليه الدول الأخرى، فلم تدخل في معترك الاستقلال والتطور والانتاج . ولم تعش استقرارا، ابتداءً بقرون التبعية لعقود الاحتلال مرورا بحروب الاستقلال وصولا إلى محاربة الحكومات الواحدة والأحزاب الطاغية. ولا يمكن إحراز النصر من دون قراءة لواقع المجتمع العربي، الذي يعيش انقساما سياسيا، بين أحزاب وتيارات تتقاتل على السلطة، ثم بين شعوب تتحرك في وجه الاستبداد تواجهها أنظمة مستبدة طاغية. وبين متعلم وجاهل. إنّه انقسام أخلاقي وعقائدي وقيمي ومعرفي، لا يقتصر على الانقسام بين الطوائف والمذاهب والأعراق المتمثلة في اثنيات مريعة، تشوّه حضارة الإنسان ومدنيته. بل يمتد على مساحة كاملة من الواقع؛ فيضرب العلاقات الإنسانية والأسرية والاجتماعيّة والوطنيّة. انقسام تناحري، يقوم على صراع من أجل بقاء ووجود وهوية. صراع لا مفر من خوضه بعد انهيار مجتمعاتنا وبشرنا وإنساننا؛ فكل تغيير يلزمه تفكيك حتى النخاع في البنى التي كانت قائمة وقام عليها ما نسميه، وهما، وطننا وأوطاننا ويرافقه مآس.

إنها الثورة المضادة، وهي تنتعش بنشوة ما تعتقده نصرا…لكنها فترة وتنقلب الأمور. وهؤلاء السياسيون الذين لا يعيشون مخاض تجاربهم وإنتاجاتها عابرون. لأن البقاء في المرحلة القادمة من الثورة للذين يثقون بأدوارهم التاريخية ويؤمنون بإراداتهم ويقاتلون ببصيرة معجونة بدماء الثورة. ولا حل إلا بتوحيد القرار الوطني السوري ثوريا وسياسيا وعسكريّا وأخلاقيا.
د. سماح هدايا

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,309,549 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: