قصص من أحداث الثورة, مقالات مختارة من الصحافة, أدب وفن عن الثورة السورية, تحليلات وتقارير

أهالي درعا بين مطلب الحرية والتهديد بلقمة الخبز . . بقلم: سارة الحوراني


أطفال درعا

ساعات طويلة قضتها أم محمد وهي تنتظر بضع أرغفة من الخبز، علّها تعود بها إلى منزلها بعد توقف الفرن الوحيد عن العمل لمدة خمسة أيام، ومنذ الصباح الباكر وقفت بدورها لتقترب رويداً رويداً من النافذة المخصصة للبيع، وقبل بلوغها الهدف خرج أحدهم لينادي “خلص الخبز” وليضيع صوتها المخنوق بدموعها بين عشرات الأصوات التي ضاق فضاء درعا البلد به.
لم تكن أم محمد ذات السبعين عاماً المرأة الوحيدة التي عادت إلى منزلها كما خرجت منه، بل العشرات مثلها عادوا يجرون ذيول الجوع والحرمان، بعد ساعات طويلة تحت قذائف الهاون وقصف الطائرات.
بكلمات مرتجفة تقول (أم محمد): “جئت إلى الفرن منذ الصباح الباكر، وانتظمت بالدور الذي بدأ يكبر ويمتد شيئاً فشيئاً حتى ضاقت المساحة بنا، كان لدي أمل بالحصول ولو على القليل من الخبز، فأنا أعيش مع زوجي الطاعن في السن أيضاً. لا أعرف ماذا أقول ولمن أتوجه إلا بالدعاء إلى رب العباد ضاعت البلاد “.
بهذه الكلمات المقتضبة تعود أم محمد مثقلة الخطوات وتكاد تسقط على الأرض بعد انتظار طويل.

مغامرة البحث عن الرغيف
قدمت الشابة (باسمة .ن) من إحدى الأحياء التي يسيطر عليها النظام ويتوافر فيها مخبز يعمل بشكل طبيعي، لكنها فضلت القدوم منذ ساعات الفجر الأولى مع جارتها إلى درعا البلد، مشيرة إلى أنّ سبب قدومها إلى هذا الفرن يعود إلى الاعتداءات اللفظية وأحيانا الجسدية التي يتعرض لها المواطنين، دون تمييز بين امرأة أو رجل، فالجنود والشبيحة المتواجدون هناك يقومون باستفزاز الأهالي، وخاصة بشتم الفتيات والنساء بألفاظ جارحة تنال الشرف والعرض، وكثيراً ما قاموا بالاعتداء على الرجال والشباب أمام الأهالي و إهانة الصغير قبل الكبير، لافتة إلى أنّ المخاطر التي تتعرض لها كثيرة وخاصة انتشار القناصة على الأبنية المرتفعة، والتي تكشف كل الطرق التي تربط بين درعا البلد ودرعا المحطة، وكثير من الأشخاص فقدوا أرواحهم قي تلك الشوارع، ومع ذلك يخاطر الناس بحياتهم للحصول على الحصة المخصصة من مادة الخبز والمقررة بخمسين ليرة فقط للشخص الواحد.
بسمة أيضاً عادت دون الحصول على حصتها متسائلة هل سيخبز الفرن غداً؟

منذ ساعات الصباح الباكر
ولم تكن معاناة الرجال أقل من النساء بل امتدّ صفهم إلى عشرات الأمتار، وشهد معارك طاحنة بينهم، وأحدهم خلع حذائه وضرب أحد الشباب الذي طلب من الرجل الالتزام بالدور كباقي الجمع.
(أبو أحمد) من هؤلاء الذين أحضروا كل أفراد عائلته للحصول على الخبز، وكثيراً ما كان يترك دوره ويتقدم إلى الشباب المسؤولين عن التنظيم محتجاً على التسهيلات التي قدمت لبعض الأشخاص.
يقول أبو أحمد: “جئت منذ الساعة الثالثة صباحاً، مصطحباً زوجتي وأولادي ونساء إخوتي آملين الحصول على الخبز. في البدء طلب منّا الالتزام بالدور، وهذا ما فعلناه لكنني شاهدت بأم عيني بعض الأشخاص الذين جاؤوا متأخرين ببضع ساعات عنّا، قد حصلوا على الخبز ونحن لا نزال ننتظر دورنا. إنه الظلم بعينه الذي خرجنا ضده يعود إلينا بلون وشكل آخر”.
استطاعت ابنتا أبو أحمد الحصول على حصتيهما من الخبز ليشير إلى زوجته وباقي نساء العائلة بمغادرة الصف للعودة إلى المنزل، وعند سؤالي له “هل سيكفيك الخبز أنت وكل أفراد أسرتك؟” ضحك بقهر وجاء جوابه ساخراً: “سنطعم الأولاد الخبز ونحن نكتفي بالمجدرة.. الله يفرجها”.

دموع تأبى النزول وقلوب صغيرة متعبة
بعد عناء طويل ومعارك ضارية استطاعت الطفلة بتول الوصول إلى النافذة الحديدية الصغيرة المخصص للنساء، وبقيت ما يقارب الساعة أمام النافذة التي أغلقت فجأة معلنة نفاد الخبز، لتتساقط دموعها بين ألم وقهر وخذلان. لم تستطع الحصول على بضع أرغفة لعائلتها التي تنتظرها. حاولت محادثتها إلا إنّها رفضت ووضعت يديها على وجهها في محاولة منها لإخفاء دموعها وقهرها وغادرت مكسورة الإرادة على عكس ما جاءت إلى الفرن، يرافقها الأمل الذي داعب مخيلتها في الطريق.

صعوبة في التنظيم
واجهت العناصر المكلفة بتنظيم الدور وآلية الحصول على الخبز مهمة صعبة في ضبط الأمور وفك الاشتباكات بين المواطنين، وكان الخاسر الأكبر من هذه الاشتباكات هم الأطفال الصغار، حيث كانوا يدفعون خارج الصف واحتلال أماكنهم من قبل الأكبر سناً، لكن الأطفال دافعوا عن حقوقهم بشراسة ورفضوا الخضوع لسلطة الكبير المستبدة، وعلى الرغم من تلك المعارك لم ينجح الكثير منهم في الحصول على الغنيمة وذهبت معاركهم ودفاعهم المستميت دون طائل، وغادروا متوعدين الآخرين بجولة أخرى في الأيام القادمة.

سياسة التجويع والتدمير
تواجه منطقة حوران بشكل كامل أزمة خانقة في الحصول على مادة الطحين، وذلك ضمن سياسة حرمان المناطق الثائرة التي يتبعها النظام لمعاقبة الأهالي وتأليبهم على الثائرين والمقاتلين، من خلال حرمانهم من مخصصات الطحين، وقصف وتدمير الأفران ومستودعات الطحين والإحراق الممنهج لحقول القمح في مدن وقرى وبلدات حوران، واستهداف أصحابها بالقصف أو القنص أثناء عمليات إطفاء الحرائق، ما أدى إلى إتلاف مئات الدونمات وحرمان المنطقة من الاستفادة منها. كل ذلك أسهم في ارتفاع كبير في أسعار الطحين ووصل إلى مبالغ خيالية، وعجز الكثير من المواطنين من شرائه حيث تراوح ثمن كيس الطحين العادي مثلاً ما بين 2000-1500 ليرة سورية، في حين تراوح طحين الزيرو السعودي ما بين 5000 -6500 ليرة. ونتيجة لذلك قامت بعض الهيئات والمنظمات الإغاثية بإدخال كميات من مادة الطحين بعد تأمينها من خارج البلاد، لكن كثيراً ما يتم احتجازه من قبل قوات النظام، وبعض منه يتم الاستيلاء عليه من بعض اللصوص الذين يقومون ببيعه في وقت لاحق.
وتجدر الإشارة إلى أن مدينة درعا تضم ما يزيد عن سبعة أفران، يقع القسم الأكبر منها في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ولذلك تعرضت لدمار كبير وهائل نتيجة للقصف الممنهج لها، أو باتخاذها كمراكز وحواجز أمنية من قبل عناصر الجيش النظامي. وخلال المعارك تم تدميرها بشكل كامل كالفرن الآلي في منطقة العباسية بدرعا البلد وهو مخبز عام وفرنان آخران للقطاع الخاص، وبذلك يبقى فرن واحد يعمل بطاقته الكاملة في درعا البلد، فيما لو توفرت له مادة الطحين والخبز، في حين أُغلق الفرن الاحتياطي في منطقة مخيم درعا لأسباب مجهولة. وتشير المعلومات إلى خلافات بين بعض القادة العسكريين في الجيش الحر حول الإشراف عليه.

سارة الحوراني

المصدر: الأيام

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,303,438 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: