نظام الأسد, تحليلات وتقارير

دخول جرمانا حماقة فهل يقتنع أصحاب الرؤوس الحامية ببدائل أقل دموية


جرمانا

ليس مصادفة أن التمثال الوحيد لحاكم سوريا السابق حافظ اسد الذي لم يجر تحطيمه في الغوطة الشرقية مازال جاثماً وسط مدينة جرمانا في -ساحة الصنم كما يسميها معارضون- المدينة المحسوبة على الاقليات من الدروز والمسحيين رغم وجود خليط من مختلف الاطياف والأديان.

فكلما احتدمت المعركة في الغوطة الشرقية يجري الحديث بأن فصائل المعارضة المقاتلة ستدخل جرمانا، بل ذهبت بعض تلك التكهنات “البوليسية” للقول بأن النظام هو من يسعى لتسليمها من أجل احداث فتنة بين الطوائف، وتمّ الترويج على نطاق واسع لمثل هذه الفرضية، التي تعززت فرصتها للتصديق مع تصاعد في أعداد القذائف التي تنهال على المدينة بطقس شبه يومي خاصة بعد سقوط حاجز تاميكو في 19 من الشهر الماضي بيد المعارضة، ويتجدد اليوم بعد سيطرة عدد من فصائل المعارضة على عدد من البلدات في الغوطة الشرقية.

هذه الاجواء دفعت عدد غير قليل من الاسر لهجرة المدينة التي وصل عدد سكانها لنحو نصف مليون، وكانت إلى وقت قريب ملجأ يقصده المهجرين من كل مكان، لكن وقبل الدخول في مناقشة مثل هذة الفرضية، لا بد من معرفة أهمية المدينة كموقع جغرافي على خارطة الصراع الدائر والتي يمكن اجمالها في اربع نقاط:

1-      محاذاتها لطريق المطار، حيث يشكل فقدان السيطرة على هذا الطريق ضربة لهيبة الدولة وسيادتها وخاصة ان “المطار الدولي” يستخدم لنقل شحنات من المساعدات العسكرية من طهران وروسيا، كما لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة لحركة النظام وزواره.

2-      نقطة ربط بين الغوطة الشرقية والغربية فهي صلة وصل عمراني من المليحة شرقاً الى بيت سحم وغرباً، وبالسيطرة عليها يمكن العبور إلى جنوب دمشق عبر بيت سحم إلى يلدا وببيلا والحسينة والسيدة زينب ومنها الى باقي الغوطة الغربية وصولاً إلى صحنايا وداريا وقطنا، طبعاً يمكن لهذا الربط ان يتم من خلال بلدات اخرى محاذية لطريق المطار كما شبعا أو حتيتة التركمان وغيرهما، لكن العبور من جرمانا اسهل بسبب الاتصال العمراني مع بيت سحم، فلا يفصل البلدتين سوى طريق المطار، خلافاً لكل البلدات الاخرى التي تفصلها مساحات مكشوفة ما يجعل العبور صعب تحت مرى نيران قوات النظام الجوية والبرية.

3-      محاذاتها لطريق الغوطة الشرقية، فالذي يسيطر على جرمانا يمكنه التحكم في البوابة الشرقية لدخول دمشق، وبالعكس، فالطريق يمتد من باب شرقي إلى الغوطة الشرقية يمر بجوار جرمانا ويعبر المليحة يصل إلى حران العواميد القريبة من المطار، وهذا يسهل السيطرة على المطار من الداخل ودخول دمشق من جهة باب شرقي.

4-      محاذاتها لطريق المتحلق الجنوبي الذي يربط احياء دمشق، العباسين مع(المزة) حيث المربع الامني والسفارات، فالمتحلق يمر بمحاذاة جرمانا في منطقة الكشكول ومخيم جرمانا التابعين اداريا للمدينة، ما يجعله في مرمى نيران من يسيطر على جرمانا، ويؤدي الى قطع أهم طريق حيوي –سريع- لربط اجزاء مهمة من العاصمة دمشق مع بعضها.

رغم أهمية العناصر السابقة غير ان جرمانا ليست جغرافيا فقط، وهناك عناصر آخر تتعلق بتركيبتها السكانية وعلاقتها بالسلطة ويمكن اجمالها  بخمس نقاط:

1-      جرمانا مأوى لخزان بشري من كبار الموظفين في “الدولة” وضباط الامن والجيش والإعلام  وغيرهم مع عائلاتهم، ممن يعتمد عليها النظام في دمشق في “تماسك” مؤسساته، هؤلاء ينتمون لمختلف اطياف المجتمع السوري وجدوا في جرمانا( ومن قبل بدء الثورة) بسبب انفتاحها وقربها من دمشق مستقراً لهم، ويشكلون مع عائلاتهم حاضنة للنظام بالتالي ليس من السهل التفريط بهم.

2-      احتواء المدينة على “مليشيا تساند قوات النظام” بدأت بالشبيحة من أصحاب السوابق من شباب المدينة، ثم من خلال “اللجان الشعبية”، (يتحدرون من الطائفتين الدرزية والمسيحية)، وتم استخدمهم في معاركه خارج جرمانا وأرسل بعضهم في دورات إلى إيران، غير ان رفض المجتمع لهم، ورفض بعضهم للخروج خارج جرمانا، وتحول البعض الاخر إلى “مافيا محلية تعمل لحسابها”دفع النظام لضرب رموزهم مع البقاء على ارتباط المئات منهم، وانشأ بموازاتهم ما يسمى “قوات الدفاع الوطني”، ومنحهم بناء وحدة المياه مقراً لهم.

 ومجموع هذه المليشيات بمثابة “طابور خامس” يستفيد النظام منهم بالتحريض الطائفي ضد الجوار ودفعهم إلى الاحتكاك العسكري به، وتصدير جرمانا كضحية  للجوار(السني) الذي يهددها، وينتظر الفرصة ليسبي نسائها، كما يحاول أن يملأ رؤوسهم.

3-      إن كون سكان جرمانا (الاصليون) من الدروز والمسيحيين، (رغم ان العدد الاكبر هو للسنة لكن معظمهم وافدين وليس لديهم تأثير واضح في المدينة)، يجعل من التفريط بالمدينة ضرب لأهم مرتكزات النظام الذي طالما ادعى بأنه حامي للأقليات(قالها بشكل مباشر وليد المعلم في مؤتمر صحفي) وذلك بصرف النظرعن مطابقة هذا الوصف لواقع الحال، ما سيؤثر سلباً على موقفه في أوساط تلك الطائفتين في باقي المناطق كما في والسويداء وجبل الشيخ وادلب أو في القصاع وباب توما أو القرى المسيحية في درعا وريف دمشق وغيرها.

4-       وجود بعض القطع العسكرية تحتمي بالمدينة كما ادارة الدفاع الجوي، على طرفها الشرقي ما يجعل (ظهرها) محمي، وهي بمثابة نقطة عسكرية متقدمة بمواجهة المعارضة المسلحة وتلعب دور هام في قصف الغوطة الشرقية، وكذلك وجود نقطة عسكرية اخرى على طريق المليحة، وعدد من النقاط على طريق المطار التي يتم منها قصف جنوب دمشق والمناطق المحيطة بجرمانا.

5-      استخدام مشافي المدينة لعلاج جرحى مقاتلي النظام ومليشيات حزب الله وشيعة العراق، أو العبور وسط المدينة إلى دمشق وبالعكس، لنقل الامدادات اللوجستية لقواته المتمركزة في النقاط المذكورة سابقاً.

كل ما سبق يجعل الكلام عن سيناريو تسليم المدينة بشكل متعمد من قبل النظام اشبه بخطوة غبية وبعيدة عن الرؤية المتبصرة لكل جوانب أهميتها السياسية والعسكرية ودورها في الصراع الجاري، فالمعركة اليوم في ضواحي دمشق تجري من حي لحي ومن بناية لبناية، فكيف والحديث يجري عن مدينة بالموقع ونقاط الاهمية التي عرضناها.

 أما الكلام المتعلق بتوظيف وجود الدروز والمسحيين لصالح النظام فهذا حاصل ولا يحتاج إلى التضحية بكل العناصر السابقة، ومع كل قذيفة تسقط على رؤوس المدنيين وكل ضحية جديدة (تجاوز عدد ضحايا التفجيرات والقذائف في جرمانا 400 مدني) يزيد الاحتقان، فغالباً ما يتم اتهام المحيط وتحميل المسؤولية للفصائل “غير المنضبطة” من المعارضة المسلحة، ورغم عدم وجود تأكيدات قاطعة، فإن النظام يحسن استغلال ضحايا الاقليات اعلامياً لصالحه، ليظهر بالنهاية بأنه الافضل في اي مقارنة، خاصة بهذه المرحلة حيث اصبح الحديث عن التيارات الجهادية المتطرفة يجد سنده الواقعي.

النظام لن يسلم جرمانا، كل ما فعله بالمدينة منذ بداية الثورة ولغاية اليوم يؤكد ذلك، ولكن هذا لا يعني بأن الطرف الاخر لا يفكر بدخولها منتظراً فرصة تغير موازين القوى لصالحه، وقد المح لهذا بعض مقتلي المعارضة في تصريحات سابقة للاعلام، بما يؤكد بأن هذا الخيار لا بد منه عاجلاً ام آجلاً.

 ولاحت هذه الإمكانية في عدة مرات سابقة، آخرها منذ نحو شهرين بعد سقوط حاجز تاميكو، غير أن الفصائل المسلحة “المتعقلة” في الغوطة الشرقية، تدرك بأن دخول جرمانا ليس نزهة، مغامرة غير محسوبة العواقب، فما جرى في معلولة أو في صدد أو غيرها من المدن السورية، لا يمكن سحبه على مدينة يجري تسليحها والاشتغال عليها منذ بدء الثورة السورية قبل نحو 30 شهراً، حيث يكاد لا يخلو منزل من قطعة سلاح، وفي ذمة شبيحتها عشرات الضحايا، وتحكمها سكانها خاصة (الدروز) منهم علاقات قربى “عائلية”ما زالت فاعلة وتمتد إلى مناطق اخرى، كما إن التناقضات والتداخلات السكانية لمختلف الطوائف، يعزز احتمال وقوع فوضى وقتل طائفي”مجازر”.

 اذا أضفنا إلى ما سبق ضعف تأثير المعارضة داخل المدينة، ما يجعل دخولها حماقة قد تجر إلى سلسلة من العنف والعنف المضاد لا يمكن التكهن بمداها، ويجعل من الضروري البحث عن حلول اخرى، فالسعي لعقد اتفاق ومنذ الان على تسليم المداخل والمعابر التي تقع معظمها على أطراف المدينة في اللحظة المواتية، دون الدخول لوسط المدينة ودون اي مواجهات، وترحيل المشاكل الأخرى، كتسليم السلاح والشبيحة المتورطين في عمليات “جنائية” ضد الجوار، إلى ما بعد اسقاط النظام.

 يبدو خياراً عقلانياً، يجنب كل الاطراف الانزلاق إلى نزاع أهلي، ويكون في صالح مستقبل التعايش المشترك والسلم الاهلي طويل الامد، بالنهاية إن ما يجب على الجميع التفكير به هو أن جرمانا محكومة بكونها جزء من محيطها في الغوطة الشرقية والغربية، فالنظام سيرحل عاجلاً ام آجلاً ولكن وجود البشر وحقائق الجغرافيا والتاريخ ستبقى.

المصدر: موقع كلنا شركاء

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,303,381 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: