مقالات مختارة من الصحافة, نظام الأسد, الجيش السوري الحر, تحليلات وتقارير

سورية: جبهة إسلامية ومشروع أمة؟ . . بقلم: علي العبد الله


كاريكاتير لاجئين ومهجرين

أعلنت سبع قوى عسكرية اسلامية توحدها تحت مسمى «الجبهة الإسلامية»، وأصدرت ميثاقاً يعرفها ويحدد طبيعتها وأساليب عملها وأهدافها.
عمل جيد وهام ان تتفاهم فصائل عسكرية وتتوحد لتقوم بجهد عسكري منسق، وهذا كان استحقاقاً موضوعياً في سياق الثورة، ولكن الجبهة لم تكتف بذلك بل تجاوزت مسألة التوحد العسكري الى توحد «عسكري، سياسي، اجتماعي، اسلامي، شامل»، واعتبرت نفسها «مشروع أمة»، ما أثار جملة تساؤلات ووضع علامات استفهام حول منطقية التوجه وموضوعيته في ضوء طبيعة المكونات المؤسسة واللحظة السياسية التي تمر بها الثورة السورية ومستدعياتها؟
لعل اول الاسئلة التي تطرح هنا هو مدى منطقية المهمة التي رفعتها الفصائل المؤسسة؟ ففي اللحظة التي تحتاج اليها الثورة لفعل ميداني يعيد التوازن والثقة بقواها، ويبعث الامل في نفوس ابناء الثورة والشعب بأن تحقيق هدفهم في الحرية والكرامة ما زال ممكناً، وان الثورة ما زالت قادرة على الانجاز والتقدم على طريق النصر، عبر تبني الجبهة خطة مواجهة واقعية وطموحة، يأتي برنامج الجبهة ليتحدث عن اهداف بعيدة، اهداف ما بعد اسقاط النظام وتحرير البلد من الاستبداد والفساد، اهداف دولة اسلامية وحكم وإعادة بناء سورية… الخ. اهداف مقطوعة الصلة عن اللحظة التي تعيشها الثورة، وعن المصاعب التي تواجهها.
اما ثاني الأسئلة فيتعلق بمنطقية هدف بناء «دولة اسلامية تكون السيادة فيها لشرع الله -عز وجل- وحده مرجعاً وحاكماً وناظماً لتصرفات الفرد والمجتمع والدولة»، كما جاء في الميثاق، وجديته. اذا المعلوم ان الدولة ليست جزءاً من العقيدة الإسلامية، وأنها لم تكن من المهام او الاهداف التي جاء بها الاسلام وطرحها على الناس، من دون ان نغفل ان المسلمين اقاموا نوعاً من الدولة البسيطة في ضوء حاجتهم لإدارة شؤون حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، والتعاطي مع محيط غير مسلم فيه المعادي والمسالم، فالدولة الوليدة لم تكن فرضاً عقائدياً ملزماً (ينفرد الشيعة من بين كل المذاهب الاسلامية باعتبارها جزءاً من العقيدة، والإمام يختاره الله علا شأنه)، بل كانت بنت الحاجة، ضرورة اجتماعية، وقد عكست الطرق المتباينة التي اختير فيها الخلفاء الراشدون دور المسلمين الأوائل في الاجتهاد والتأسيس لعملية غير محددة أو مقننة، عملية اقتضاها الواقع واستدعتها المرحلة، كما عكست اجوبة الفقه الاسلامية على أسئلة طبيعة الامامة وشروطها والشروط الواجب توفرها في الإمام، انها (الإمامة) بنت لحظتها وبيئتها فقالوا من شروطه ان يكون مسلماً صالحاً سليم الجسد والعقل قرشياً، والشرط الاخير بخاصة دليل واضح انها ليست بنت العقيدة بل بنت ظروفها وبيئتها، حيث سيادة القبلية ومكانة قريش في العرب والإسلام، اذ من غير المعقول ان تنطوي رسالة جاءت لهداية الناس أجمعين من دون قيد من مكان وزمان ان يكون الامام فيها قُرشياً حصراً.
أما القضية الأهم فقضية «شرع الله» الذي تعتبره الجبهة «مرجعاً وحاكماً وناظماً لتصرفات الفرد والمجتمع والدولة»، فصيغة شديدة العمومية، اذ المتعارف عليه ان صفة «شرع الله» تطلق على كل ما انزله الله على نبيه (عليه الصلاة والسلام). لكن هذا الشرع واسع وعام فيه العقائد والعبادات، فيه قيم سياسية واقتصادية واجتماعية، والأمور الحياتية، فيه المحكم والمتشابه حتى شاع وصفه بحمّال اوجه، وفق تعبير ينسب للخليفة الرابع علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ..الخ، وكان فهم اجزاء منه مصدر خلاف بين المسلمين في مراحل التاريخ الاسلامي الطويل (الجبر والاختيار).
لذا لا تشكل صيغة شرع الله اجابة كافية لتحديد طبيعة برنامج سياسي وأهليته، ناهيك عن انتشار فهم غير دقيق في اوساط الاسلاميين بعامة والسلفيين منهم بخاصة في تعاطيهم مع مسألة الحكم ناجم عن خلط في التعاطي مع بعض المفاهيم القرآنية وتجاهل الحدود والطبائع التي تنطوي عليها مثل الحديث المرتبط بالحكم بما انزل الله حيث يعتبر متعلقاً بالسياسة، في حين انه في واقع الامر يتعلق بالقضاء والفصل بين الناس في قضايا الحقوق والمال والتجارة، بينما قضايا السياسة استخدم لها الذكر الحكيم مفردة أمر «وشاورهم في الأمر» و «امرهم شورى بينهم»، ووصف رجال الدولة بـ «أولي الامر». فالدقة هنا مطلوبة لأنها تسمح بالفصل بين المواضيع والمواقف وتبيان الحق من الباطل.
هذا من دون ان نهمل وجود قضايا خلافية، واجتهادات خارج السياق، وإضافات املتها الظروف، عرفها التاريخ والفقه الإسلاميان، وضرورة اعادة النظر في كثير منها، والتدقيق في المواقف التي تواضع عليها الفقهاء في الماضي، وقادوا الامة في ضوئها، او التي اختلفوا حولها منها قضايا هامة وخطيرة مثل الشورى معلمة ام ملزمة، وشيوع الاخيرة تحت تأثير اجتهادات وعاظ السلاطين، والقبول بإمارة المتغلب والخضوع لها، وتبني مواقف بالاستناد الى قراءات قاصرة اصبحت مسلمة مثل قضية النسخ في القرآن… الخ. ففي قضية الشورى ملزمة ام معلمة تجاهل تام لما حصل مع النبي، حامل الرسالة، اذ من المعلوم انه شاور الصحابة بخصوص صلح الحديبية وأنهم رفضوا القبول به، وأشاروا على الرسول بالسير نحو مكة، وانه عملا بمنطق الشورى استسلم لرأيهم وركب ناقته القوصاء ليسير بهم الى مكة لكنها ابت السير فقال لهم انها مأمورة وان للسماء رأيا يخالف الرأي الذي توصلنا اليه فاحبط المسلمون وساد قنوط ثقيل حتى كسره الرسول الكريم وباقتراح من عائشة ام المؤمنين بالقيام بتقصير الشعر ونحر الاضحية فلما فعل تبعه المسلمون وانفرجت الغمة. أما كارثة النسخ فيكفي ان نعرف ان الفقهاء الذين تبنوا مقولة النسخ قالوا ان آية «فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»(التوبة- 5) المشهورة بآية السيف قد نسخت 124 آية لندرك المدى الذي انزلق اليه دعاة النسخ وظنهم بالله الذي حاول ان يضعنا في صورة جلالته، من خلال تقريبها الى افهامنا من طريق اسمائه الحسنى الـ99 فنهملها ونتبنى موقفاً ابسط دلالاته ان الاله الذي نؤمن به لا يملك الصفات التي وصف نفسه بها: العليم، القادر، الجبار، المهيمن، العزيز، الوهاب الخ.
كان يكفي الفصائل المؤسسة ان تهدي جمهور الثورة توحدها، وان تبدأ بتقديم براهين على الفارق بين الوحدة والتفرق بتحقيق مكاسب على ارض المعركة تعيد الثقة والأمل الى نفوس ملايين اللاجئين والنازحين، الارامل واليتامى والثكالى، وان لا تغرقنا في متاهة فكرية، وان تنتظر تحقيق الهدف الأول: اسقاط النظام، وتأخذ دورها عبر المشاركة في تنفيذ برنامج الانتقال الى نظام جديد يحقق الحرية والكرامة لكل المواطنين من دون اعتبار للدين او المذهب او العرق او الجنس، عبر صياغة دستور جديد والذهاب الى انتخابات رئاسية وبرلمانية، فتتقدم ببرنامجها الى جمهور الناخبين لتأخذ ما تستحقه من اصوات وتحتل مكانها بين قوى المجتمع الفاعلة في ادارة الدولة والحكومة.

علي العبد الله

المصدر: الحياة اللندنية

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,297,419 مشاهدة

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: