مقالات مختارة من الصحافة, مواقف الدول الأجنبية, مواقف الدول العربية, نظام الأسد, تحليلات وتقارير

من كان منكم بلا مصيبة، فليرجمها بحقده . . بقلم: يحيى العريضي


1

السوري مأزوم؛ أكان أو في وطنه ام مشرداً منه، داخل النظام ام خارجه. مصائب السوري فوائد للأخرين ؛ ومصائب عدد من هؤلاء الآخرين فوائد للبعض ؛ ويبقى المؤكد ان مصيبة السوريين كبيرة بلا حدود ، وما امامها إلا أن تصغُر، أما مصائب الآخرين – الغاطسين في المسألة السورية – فقد تبدو صغيرة، ولكن مصيرها ان تكبُر حتما. ومن هنا لم تعد رؤية المسألة السورية بمفردها ممكنة ، فالكل يُجمع على أنها لم تعد سوريّة بالمطلق ، واضحى قرارها بيد الآخرين؛ وبناء عليه، لابد من تفحُص واستجلاء الصورة بشكلها البانورامي؛ سداسي وربما سباعي الأبعاد.
لا بد من القول بداية إن النظام أدرك ذلك التشابك مبكراً، وهدّد بالحريق الأوسع ، وتغوّل بفعلته مستندا إلى حالات المد والجزر في تجاذب المصالح وتنابذها، وتصرّف بلا مسئوولية أخلاقية واضعاً الدم السوري ودمار البلد قربانا لبقائه.
تسلّط هذه الدراسة الضوء على القوى الفاعلة في المسألة السورية وتحدد الملامح الأساسية لما تقوم به تلك القوى، ولماذا؛ إضافة إلى مآل الأمور بالنسبة لها مستقبلياً.
لنبدأ بإيران التي استثمرت في ” الممانعة والمقاومة” فوق كل تصور ، وزاودت على العرب في قضيتهم وقُدسهم بأهداف خبيثة لم يشهد العالم لها سابقة. وفيما يخص طيف نفوذها، ارى أنه على عكس ما يتصور الكثيرون لم تكن الاستراتيجية السياسية الايرانية تفكّر أو تّعوّل إلا جزئياً على التركبية الإثنية أو الدينية لكل من سورية و لبنان. وعلى عكس ما يعتقد البعض ، قادة ايران ليسوا متعصبين للقضايا الدينية ولا هم موغلين بها، وإنما يستخدمونها أداة سياسية تأخذ مفاعيلها بامتياز في بيئات يضيع فيها الاستناد على أي قوة نظراً للجهل فيتم اللجوء إلى الاستناد الديني كمصدر للترابط و القوة وتحقيق المآرب. ومن هنا أُصيب الكثيرون بالحَوَل في مقاربة الاستراتيجية الأيرانية ؛ فلم يروا أن ايرن يمكن أن تلتقي مع التوجهات الاسرائيلية و التركية في حالة صراعية مرتكزاتها مصلحية مدنية تنافسية على مناطق النفوذ الجيوستراتيجية ، ومن هنا أيضاً وضعت ايران نفسها في حالة صراع مع الصهيونية تحت يافطة دينية كانت القدس محرقها، وفي حقيقة الأمر جرى هذا الصراع بالوكالة و عبر النخز المتبادل؛ ولو كانت اسرائيل ومن ورائها أمريكا غير راضية عن البرنامج النووي الايراني مثلاَ، لكان مصيره بسهولة كمفاعل العراق.
بالنسبة للحالة السورية التقت مصالح ايران و اسرائيل بوضوح نادر، و المثال الصارخ على ذلك عدم مس حزب الله – الذراع الايرانية في لبنان- عند تدخله الوقح الاجرامي في سورية؛ فالجانبان متفقان على هدف كبير ( بقاء النظام ) المريح للجانبين. وإن اختلفا، فيكون على الجزء الثاني من الهدف الاسرائيلي،المتمثل بتحويل سورية الدولة إلى حالة مشلولة لعقود قادمة إن لم تكن كما تريد. فايران قد استثمرت في هذا الجانب ما لا يتصوره عقل، فهي اشترت عبر قيادة سورية جزءاً من البلد، و مصالحها المادية و المعنوية فيها بلا حدود. وإن كان من صراع يدور فهو على استعادة ايران ما استثمرته في هذا البلد المرهق.
تصريحات القادة الايرانين بخصوص الدفاع عن النظام لم يأت ما يشبهها على لسان أي جهة خارجية أوحتى على لسان النظام ذاته. ولم يقتصر ذلك على التصريحات فهي ميدانياً، كما تذكر بعض المصادر، تقوم بإدارة الصراع وتوّفر حماية مباشرة وغير ذلك لركائزه.
كما يرى البعض أن بقاء النظام بالنسبة لايران كان لفترة قريبة جداً مسألة مصيرية، ومن هنا الصراع على حضورها أو تغييبها من جنيف 2، حيث تعرف أمريكا و أوروبا أن ذلك مسألة مصيرية بالنسبة لها فيتم ابتزازها قدر الإمكان في هذا المجال. أما بعد جنيف الخاص بها، فالأمور تغيّرت حتما ، حيث أصبح أو سيصبح اللعب فوق الطاولة لا بالدهاليز.
ايران تعاني مثلاً على عدة أصعدة وعلى رأسها أمور تتعلق بوضعها المادي، فخزينتها تكاد أن تفلس ؛ وهي ترجع إلى مدخرات محرّم لمسها . وقيل إنها كسرت المحرم، ومدت يدها إلى هذا الاحتياطي ؛ وكل ذلك من أجل انقاذ نظام رأت في وضعه التحدي الأكبر لاستراتيجيتها الكليّة. من هنا قد تعود ايران إلى التشابه و حتى التماهي مع الخيار الاسرائيلي الثاني المتمثل بدمار البلد إن لم يبق النظام، و الحالة المخففّة إيرانياً بالنسبة لهذا الخيار تكون تقسيم سورية وخلق كيان يطل على المتوسط يرتبط بلبنان و يمتد عبر عراق المالكي ليصل إلى امبراطورية فارس . وهنا نقطة تفارق و صراع و صدام بين اسرائيل و ايران ؛ فهناك رغبة اسرائيلية باطنية في تقسيم سورية، ولكن بعض تصريحات مسؤوليها في عدم رغبتها و تضرر مصلحتها من ذلك تأتي على خلفية نشوء كيان يحمل الرائحة و الروح الايرانية.
قد يطول شرح قضايا آخرى، ولكن إذا ما نظرنا إلى مآل الأمور فلابد من أن نرصد خللاً في الرؤية الايرانية للامور؛ فبخصوص وضعها الداخلي لابد من القول إن العقوبات الغربية قد أنهكتها و أوجدت جيلاً كاملاً متذمراً ساخطاً على نهج الملالي، ومن هنا وصف ذلك الجيل من قبل الملالي بأنه قاصر الرؤية متغّرب و يجب اسكاته أو حتى قمعه، ومن هنا أيضاً ذلك التعبير الخجول عن حال إيران باخراجها ( الرئيس الجديد الإصلاحي) كإشارة على التجاوب مع التعبير المطلوب ، ولكن الجميع يعرف أن ذلك خلبياً.
إضافة إلى الأزمة المالية الاقتصادية الخانقة التي ولدتها تلك الاستراتيجية الايرانية ، هناك من هو بالمرصاد للتحركات الايرانية ، حيث أنه مسموح لها بالبقاء و التمدد البسيط لتبقى حالة التهديد ( الغول ) للدول الغنية بالنفط ، حيث أن اسرائيل غير فاعلة بهذا الشأن لأنها بين مطرقة القبول من محيطها وسندان ماهو مطلوب منها بأن تكون المهدّد للدول النفطية فيه. و لكن أن تتمدد ايران أكثر و تأخذ أبعاداً بحيث تفتح على حسابها فهذا غير مسموح حتى لو تم التنسيق مع الروس. فايران واهمة بالاعتماد على الروس ، الذين يوهمونها بأنهم في طريقهم لاستعادة الامبراطورية السوفيتية . ولا ادري أن كانت ايران على علم بأن حالهم من حالها ، فهم ليسوا أكثر من أداة بيد المحفل الأعلى . و إدارة بوتين ليست إلا مجموعة مافيوية لعبت بالمليارات الروسية و وضعتها بيد أوروبا و أمريكا بفعل تنسيقي اسرائيلي عبر الثقل الذي أتى إلى اسرائيل منتصف الثمانينيات؛ ومعروف كم هو السيد بوتين مرتبط روحياً بهؤلاء وما يمثلون .
من جانب آخر ، أرادت ايران أن تستفيد من تجربتها في العراق ومن تنسيقها للامور على صعيد القاعدة و ما تفرع عنها بحيث تجعل من نفسها الوكيل الحصري و بمساعدة نظام دمشق في ترتيب أمور العراق و الإرهاب ، إلا أن ذلك كان مكشوفاً للغرب و أمريكا تحديداً. كما يُقال ( لقد دفنوه سوية ) أي أمريكا و ايران و حكام دمشق و الطغمة الحاكمة في العراق و حتى روسيا حيث كانوا شركاء في مزرعة الإرهاب من البذور حتى الثمر السام؛ و عبر ذلك المنهج يملون على الشعوب إرادة حثالة تتحكم بمصير الملايين. من هنا قال البعض أن أمريكا قدّمت العراق لايران على صحن من ذهب , و قبلها كانت أفغانستان . هذا عمل بالوكالة . المعلم الأكبر لكل هذه اللعبة الدموية أمريكا ومَن فوقها أهل المحفل الأعلى.
على ايران أن تكتشف أن أمرها مكشوف و أن تتوقف عن لعبها بالنار السورية ، فهي تحترق دون جدوى استراتيجية كما رسمت؛ عليها الاصطفاف مع إرادة الشعب السوري كجار يشترك السوريون و العرب الأخرون معه بأمور جميلة جاء بها الأسلام السمح ؛ فهي إن قررت أن تلعب استراتيجياً فلا ينغّص على ذلك التوجه الخلاص من تفصيل سام قد يدمر حتى تكتيكها فضلاً عن استراتيجيتها. وها هي ربما قررت أخيرا أن تحرق أداة اللعبة.
كما جاء سابقاً، لا بد وأن الامور قد حُسمت في الأيام الأخيرة ؛ فالعلاقات والخطط والألعاب التي كانت تتم تحت الطاولة اصبحت فوق الطاولة بعد اجتماع جنيف الايراني. فكل ذلك الاستثمار في المقاومة والممانعة والنووي تم بيعه دفعة واحدة ؛ وللأسف فرق الحساب سيكون سورية ونظامها الحاكم سوّية أو النظام بالمفرّق حيث ان التشبث به أضحى عبئاً على الجميع، ونفوقه ليس إلا استدراكا وضرورة لمصالح مستقبلية مأمولة.
اسرائيل ؛ الكيان الاصطناعي الذي تجمعّ به خلق من أربع رياح الأرض، بعضهم عُنوة و بعضهم بمخطط ولا يجمع بينهم إلا المصير المهدد الذي اصطنعه المخططون الذين يصرّون على استمرار حالة المحيط المعادي للابقاء على حالة الاستنفار و التوحد الداخلية وينال تغذية من أمريكا و أوروبا و أحياناً بشكل ابتزازي عبر تفعيل عقدة الذنب العالمية المتمثلة بـ ( اضطهاد اليهود و الهولوكوست )؛ إسرائيل التي سعت تاريخياً أن تكون شرطي المنطقة العربية للقيام بالأعمال الوسخة بالنيابة عن الأدارات الأمريكية المتعاقبة، يتأرجح دورها بين الضعف و القوة حسب توافق و تناقض مصالحها و مصالح الأ أحد مصيرين دارة الأمريكية؛ إسرائيل هذه – ومنذ بداية الماساة السورية قررت وجيّشت كل من على هواها ليكون لسورية أحد مصيرين: بقاء النظام أو شل سورية.
أثبتت الأحداث السورية أن ميلها إلى بقاء النظام المريح كان واضحاً تماماً. و بقدر ما كان يغري النظام ويعزّيه القول باشتراكها بالمؤامرة عليه، كانت ترتاح بإعطائه الذريعة للبطش بمواطنيه ، ومن أجل تسويق مقولاته كانت تقوم بضربات إجرامية جراحية تستفيد منها بإنهاك قوته الاستراتيجية و تخسّر الشعب السوري استراتيجياً.
ربما لم تحسب اسرائيل حساب الكشف ، أو انزياح الضبابية و الغباشة عن عيون السوريين الذين قيل لهم بأن بلدهم مقاوم وممانع، ليكتشفوا أن دعم قيادتهم الأساسي كان ممن صُورِّ لهم أنه عددهم , ليصير الحقد على اسرائيل و عدم قبولها و التصميم على استعادة الحقوق التي تبطحت عليها لعقود أمراً لايهزه شيء في عقولهم و نفوسهم .
اسرائيل التي يُعرف عنها التخطيط و التفكير على المدى البعيد كانت غبية و تفكيرها قاصر هذه المرة ؛ فهي كسبت أعداء حقيقين لن يتزحزح التصميم من عقولهم بأن يستعيدوا حقوقهم. لن ينسى السوريون أنه لولا اسرائيل و تحريضها لكل من أمريكا و روسيا في دعم النظام المريح لاستراح السوريون، فهي كانت مساهم أساسي في امتداد عذاباتهم و دمار بلدهم. تلك الخشية التي عاشتها اسرائيل بداية من حدوث تغيير في نظام أراحها لعقود، و تطور لاحقاً إلى نشوة إثر دمار النظام لنفسه و لسورية بالمعية ؛ هذه الخشية و هذه النشوة ستطوران إلى اهتزاز كياني مستقبلي ؛ فلن يحكم سورية و لن تكون سورية إلا مصدر القلق و الرعب الحقيقي لكيان يغتصب أرضها و ساهم بما مرت به من ويلات
في الحديث عن كل من اسرائيل وإيران،جرى التطرق إلى الحالة الروسية. تاريخياً لم يكن للروس مطمعاً بمنطقتنا، ولا دارت حرب بيننا؛ فهم عندما اختاروا الشيوعية منهجاً كانت نسبة المنتسبين إليها من المنطقة العربية الثانية بعد أوروبا و معروف كم عانى العرب إثر معاقبتهم على عدائهم للغرب بالمعية. لا ينسى العرب أن الروس هم أول من كشف لهم عن مخططات سايكس بيكو التي كان يخبيؤها الانكليز و الفرنسيون بالأدراج.
ولا ينسوا دعمهم لهم في صراعهم في وجه من اعتدى على حقوقهم واحتل أرضهم . ولا ينسوا الترابط الاجتماعي الحاصل بين الروس و العرب. ففي سورية وحدها خمسون ألف جيزة بين روسيات و سوريين .
ولكن بالمقابل لا يغيب عن العرب و خاصة السوريين أن روسيا ما بعد ثمانينيات القرن الماضي غير ما قبلها . يعرفون أنها أشبه ما تكون بمحمية أمرو- أوربية و اسرائيلية أيضاً. و إذا ما قفزنا إلى الحالة السورية فوراً لابد من القول إن أمريكا ما كانت تريد أن يخرج قرار أممي يوقف النظام السوري عن تدمير بلده و شعبه، و ما كان بمقدورها أن تسخدم الفيتو لمنع ذلك، ومن كُلِّف بالأمر تحديداً لم تكن إلا خارجية بوتين الذي لابد و أن إدارة أوباما و نتنياهو قد صفقت له في الخفاء . ومن هنا الاستمرار البوتيني بضخ حقن الحياة لنظام مات سريراً. ألم يتم إيقاظه من سرير الموت ليستخدم الكيماوي للعودة مؤقتاً للحياة .
ألم تكن روسيا عراب تجريده من سلاح سوري أراده أهل سورية أن يكون مرتكز توازن الرعب مع محتل أرضهم اسرئيل ؟
أليس الملف السياسي السوري بيد السيد لافروف الذي يعمل كوزير خارجية و ناطق باسم نظام دمشق ؟ أليس هو صاحب جنيف واحد و جنيف اثنان ؟
وهل يتصور مخلوق أمريكا بقوتها و جبروتها أن توكل ملفاً بهذه الحساسية لروسيا لو لم تكن روسيا عاملاً رخيصاً بالوكالة لها و لاسرائيل ؟!
قد أزيد و لكن لا أريد الإطالة ؛ الأمر يحتاج إلى بحث قائم بذاته؛ وانتقل إلى مآل النهج الروسي تجاه المصيبة السورية. واضح أن الأمور لن تبقى دون انكشاف. مصير المخططات أن تُكشف حتى ولو كانت غاية في السرّية , و الشعب الروسي سيستيقظ في لحظة ليجد أن من يقوده ليسوا إلا مجموعة تعمل لدى اسرائيل و أمريكا و أوربا ؛ و تخون الإرث و الثقافة و النبل الروسي. الشعب الروسي كمحرك الديزل , يحتاج زمناً لينطلق، و انطلاقته مخيفةً . خيار الروس مع سورية التي صاهرتهم والتي لم يعتدواعليها يوماً، كما تفعل قياداتهم الأن. سيدرك الروس أن حالة الشيشان فخ و تحريض غربي صهيوني إثر رياح أفغانستان و عواصفها ، فالأسلام ليس عدواً لهم . روسيا التي صورها الغرب كافرة بسبب الشيوعية لم تعد هناك ؛ ويصرالغرب مع من يقود روسيا أن يكرّس حالة العداء للاسلام ( و يتكرمون ويسمونه متطرفا). ألم يكن أول من اخترع مسألة مقاومة النظام السوري للتطرف الاسلامي قيادة الكرملن؟ ألم يتشدق بوتين أكثر من أي جهة في خطابه للغرب بان النظام السوري يقاوم من يقطع الرؤوس ويأكل الاكباد؟! ألم يحول بوتين نفسه الى صحفي ركيك، يخاطب الشعب الامريكي في مقال نشره في النيويورك تايمز؟!
لا أمل بهذه القيادة الروسية الرخيصة ، الأمل الوحيد ربما أن تستيقظ على فورة و ثورة شعب يحدث له ما يحدث للسوريين بفارق أنه لم يُذبح أو تُدمَّر بيوته بعد. الأمل الأكثر ضعفاً هو أن تصحى هذه القيادة و تتيقن بأنه يجري استخدامها بمنتهى الرخص من جهات لها مصلحة عليا لحدوث ما يحدث في لسورية و شعبها.
بعد جنيف الايراني والدور الذي لعبته روسيا فيه؛ لا بد وأنها الآن مستعدة أن تقول للنظام : كفى ! نقطة انتهى! و ليبحث السوريون بمساعدة العالم عن العودة بأنفسهم و بلدهم إلى الحياة.
أتى الحديث على ذكر أفعال أمريكا “الفاخرةً” في الأزمة السورية في معرض الحديث عن دور الثلاثي الايراني – الاسرائيلي – الروسي ؛ لن تكتمل أعضاء المثلث إلا بذكر الوتر الواصل بين زوايا المثلث .
لم تر السياسة الأمريكية المنطقة العربية و تحديداً سورية إلا عبر العيون الاسرائيلية, فكما كان الموقف الاسرائيلي : ” بقاء الأسد أو خراب البلد ” ، كذلك كان الموقف الأمريكي، ولكن بشيء من برستيج الدولة العظمى . لم يهلك سورية وأهلها الذين انتفضوا على قيادتهم أكثر من التصريحات الأمريكية التي كان مفعولها الإيهام و التغرير و كب الزيت على النار. كان كلامها في واد و فعلها في واد آخر . ترفع العيار ، فيشعر شعب سورية أن قائدة العالم الحر داعمة له؛ ولم يكن رفع عيار التصريحات ذاك إلا مساهمة في تثبيت ذرائع النظام بأن هناك مؤامرة تقودها أمريكا على سورية. غاب عن الأذهان أن من عمّد و عرّب قيادة سورية و حماها و صبر على أنانيتها و جشعها و تعاون معها في العراق وفي ما سمي مقاومة الأرهاب إلا النظام السوري. غاب عن الأذهان ان خط أوباما الأحمر كان المدى الأقصى الذي فُتح للنظام ليستخدم كل مافي ترسانته من أسلحة في وجه مواطنيه. لم يكن في ذهن أحد في العالم مسألة خط احمر أو كيماوي. لابد و أن النظام تيقن بأن من يسمح بما قبل الخط الأحمر سيمرّر أيضاً الخط الأحمر مقابل شيء ما . و هذا فعلاً ما حدث. لقد كان الثمن إزالة هذا السلاح، لا عن أرواح السوريين بل من وجه اسرائيل. كان الثمن الذي دفعته سورية غير معقول. استخدم نظامها السلاح المحرم على شعبه ثم سلّمه لأعداء هذا الشعب مقابل بقائه.
أما اللعبة الأمريكية الأخطر فكانت استخدام الجميع أروبا و روسيا و ايران و حتى اسرائيل ( عندما تركتها تساهم باستهداف الأسلحة السورية ) و بقيت بمظهر المساند أو الصديق للشعب السوري . ولم يكن ذلك إلا عبر دريهمات اشترت بها بعض التافهين. وما كان وضعها روسيا في زاوية استخدام الفيتو إلا خطوة بدت بارعة إلا أنها بمنتهى الخبث و الخسة .
ومن هنا يمكن القول إنه إذا ما استفاق الأباء المؤسسون لأمريكا على ما تقوم به هذه الأدارة النجسة تجاه حقوق الأنسان و رؤية شعب يُذبح و تدمر بلده و تمارس هذا الدور النخاسي, فإنهم سيلعنون الساعة التي صار فيها أمثال أوباما و اللوبي الصهيوني الذي يسيّره قادة الدفة السياسية الأمريكية . ستاتي اللحظة التي يستفيق فيها الأنسان الأمريكي ليرى أنه تم تظليله عبر وسائل إعلام فلترت حقائق ما يجري في سورية و سوّقت له رواية النظام ( الذي يقاوم الأرهاب ) و أهملت حقيقة بلد يُباد مع شعبه.
لقد رضيت أمريكا على نفسها أن يراها العالم منسحبة من اكثر المناطق حيوية في العالم . للأسف يظن البعض أن ذلك حقيقة ، و لكنه ليس أكثر من وهم ، فروسيا التي يُقال أنها تستعيد الأمجاد السوفيتية و تعيد ثنائية القطبية الدولية ليست إلا متعهداً بالأجرة تدور في الفلك الأمريكي الأوسع و تنجز ما تريده امريكا دون أن تلوّث هذه الأخيرة يدها في قاذورات المخططات المدمرة . في عالم اليوم لم يعد مكان الإدارة في المقعد الأمامي. لقد حولت أمريكا المكان إلى المقعد الخلفي ، و مكان المقدمة الظاهر ليس إلالمُسْتَخْدَمي الاستراتيجية الأمريكية الكونية الجديدة.
أما بخصوص مآل الأمور فلابد من القول أن الأدارة الأمريكية تدرك تماماً أن عداء النظام السوري لها لم يكن إلا مصطنعاً و متصَنّعاً و خلبياً ، و تعرف أمريكا أنها في يوم ما سألت:
” لماذا يكرهوننا ” ؛ و كان ذلك السؤال مخيفاً لها فسعت أن تتجاوزه و تخفف من مآلاته بأي ثمن. يبدو أنها اليوم وغداً ستكرر السؤال ذاته، و لكن بحق و حقيقة مستقبلية. فالسوري الذي يعرف أن أوربا لاحول ولا قوة لها دون الرأي الأمريكي؛ و يعرف أن ايران شريكة في قتله و روسيا شريك بالوكالة ، لن يغفر لأمريكا التي كان بيدها أن توقف قتله و دمار بلده، ولم تفعل. ويراهن هذا السوري على اكتشاف المواطن الأمريكي لهذه الحقيقة . أما العالم ، فمهما كان على درجة من ضعف لابد و أن يكتشف بأن الأدارة الأمريكية تنهج نهجاً أجرامياً لمجرد سكوتها تجاه الجريمة. قد لا تكون أثمان ذلك مباشرة ، ولكن معجزات التاريخ حالة تراكمية تبدأ بذرة و تنتهي بعاصفة اوبركان لا يبقي و لا يذر .
تركيا، من جانبها تحتاج إلى بحث خاص؛ فطول الحدود بينها و بين سورية كفيل بأن يجعل من دورها مفتاحياً في المسألة . بدأ هكذا ؛ و عندما كان السوريون يسمعون تصريحات أردوغان كانوا يقولون ” طاب الموت هنا ” . تركيا لا تزال معنية و مهتمة بمن تشرد من سورية إليها ، و لا تزال تحتضن مجموعات المعارضة ، و لكن المسالة بالنسبة لها يجب أن تكون اكبر بكثير ؛ إن هزيمتها هنا تعني انسحاق دورها المستقبلي الذي بشّر به وزير خارجيتها بكتاباته. إن كانت في وقت من الأوقات في عداد القوى الأقليمية ، فليست بعد ثلاثة و ثلاثين شهراً من الأزمة السورية في هذا العداد. اسرائيل تحصد غلالاً هائلاً و بصمت ، و ايران تلعب ” صولد ” ، و كيفما اتجهت الأمور حجزت لنفسها مقعداً في مستقبل المنطقة ، وما لم تلملم تركيا أمورها و تلعب ” صولدها ” الذي آن أوانه فعليها الانتظار لعقود قادمة؛ فهي إن كانت تتحمل خسارة المحور المصري المغاربي دون تأثر جوها مع الخليج النفطي فهي ستخسر الجميع بهزيمتها في المجال السوري ؛ و لن يفيدها مستقبلاً عودة الحرارة إلى علاقتها مع اسرائيل ، فخطوات اسرائيل إلى الأمام لم تعد تحصى .
أما القارة الهرمة /أوربا / فلا بد من القول كم كان رامسفيلد وزير حربية أمريكا السابق دقيقاً عندما وصفها بهذا الوصف ، و لا أعتقد أن الهَرَم هنا حالة عمرية بل حالة عجزية . غريب أن تتحوَّل قارة بهذه العراقة إلى ظل بلا إرادة للسياسة الأمريكية ، تصرخ و تتبجح كعجوز لا يلتفت إليها أحد.
لن أدخل بتفاصيل موقف الاتحاد الأوربي الذي يجب أن يكون أولى من الجميع باقتراح حل للمأساة السورية و لكنه معذور بتقاعسه ؛ فلا يتوقع من الظل فعلاً ، أكان هذا الظل خفيفاً أم ثقيلا. محطتنا الأخيرة إمارات و محميات بني يعرب ، و قد يكون خطئاً منهجياً أن آخذهم بالجملة، و لكن وحالهم هكذا لا يستحقون فعلياً أن يؤخذوا إلا بالجملة أو كما يُقال بالعامية ( عالبيعة) . قد يتم تناولهم في دراسة لاحقة؛ ولكن باختصار ما وُعدوا او هُدّدوا به، أراه جمرا تحت رماد مُصطنَع. البعض يسعى بكل ما أُوتي من قوة لإنهاء مأساة سوريا – سيكون هؤلاء الأقل تضرراً- ؛ وآخرون سيحصدون ما زرعت أيديهم.
اخيرا؛ ستخرج سورية من محنتها؛ وكل الخاطئين الذين رجموها بحقدهم أيضاً سيحصدوا ما زرعت ايديهم .

يحيى العريضي

المصدر: موقع أورينت نت

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,312,421 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: