مقالات مختارة من الصحافة, نظام الأسد

سقوط حمص.. دون تهوين من شأنه ولا تهويل


حمص العدية

بدلا من الاقتصار على التعبير عن الأمل والألم، أو التفاؤل والتشاؤم، أو -للأسف- نشر المبررات والاتهامات، ينبغي أولا أن نسمي الأشياء بمسمياتها، وثانيا أن ندرك حقيقة حجم الحدث وأبعاده، وثالثا أن نستشرف ما ينبني عليه وما ينبغي أن نصنع في طريق الثورة المستمر حتى النصر إن شاء الله.
. . .
ما الذي حدث؟..
١- ما تشهده حمص هو سقوط موقع في مسار الثورة، سواء عن طريق اتفاق أو هدنة وسواء قلنا إنه سقط رغم بطولة ثوارها عبر حصار ناهز السنتين، أو قلنا بسبب تقصير جهة من الجهات رغم قدرتها على العون.
٢- لم تسقط „مدينة“ فما تحررت المدينة بكاملها، وبالمقابل ليست حمص مدينة القصير ولا مدينة النبك، بل هي ثالث المدن السورية من حيث عدد السكان، إنما كان الحصار يشمل عددا من الأحياء القديمة فيها، وجد ثوار حمص الأبطال أنه لم يعد يمكن الحفاظ عليها فاتخذوا قرارهم واستخلصوا له أفضل الشروط الممكنة، وليس سقوط هذه الأحياء „الأسطورية“ بصمودها أمرا بسيطا، ولكن يجب تقديره كما هودون تهويل من شأنه ولا تهوين.
٣- ما زال وضع مسار الثورة بعد سقوط حمص كما كان قبله، تضحيات وبطولات غير مسبوقة، في مواجهة حرب طاحنة يشارك فيها العدو مباشرة و“الصديق“ أيضا، ورغم ذلك لا يحقق حلف الأشرار من بقايا النظام ومن الميليشيات المستوردة ومن الداعمين بلا حساب والمتخاذلين بلا خجل، تقدما في موقع من المواقع إلا بعد دفع ثمن باهظ يقرّب نهاية حقبة الهمجيين، وهذا مقابل تحقيق تقدم على أيدي الثوار يقرّب نهايتها أيضا، في مناطق أخرى من سورية الثائرة، كما هو معروف الآن عن درعا ودير الزور وإدلب مع اختلاف مسار الجبهات. 
٤- سقوط حمص كان البديل عن إبادة من بقي فيها من الثوار ومن السكان وليس بديلا عن „مواصلة الصمود“، وقرار القبول بالاتفاق قرار صائب، ولا ينبغي أن يختلط الأمر على أحد، لاسيما من يتحدث عن „استشهاد سواه“.. كلا.. ليست „الشهادة“ هدفا ومطلبا، كما تردد „قيادات“ معينة أو يردد أناس خارج الجبهات، إنما الهدف هو النصر، عبر البذل ولو تطلب الشهادة، أو عبر البذل ولو تطلب الانسحاب، فلا يعني الانسحاب من أحياء حمص المحاصرة منذ ٧٠٠ يوم وزيادة، تراجعا عن طريق البذل حتى النصر.
. . .
ما المتوقع؟..
دعونا من إسكات من „ينعون“ الثورة تحت عنوان حمص، فقد كان ديدنهم نعيها من قبل على كل حال، والأهم هو تحديد معالم المسار كما يسعى لفرضه العدو الهمجي، وكذلك تحديد معالم المسار كما يفرضه الحرص على انتصار ثورة الحرية والكرامة.
١- كان مما ورد على لسان رئيس بقايا النظام الهمجي بمناسبة مهزلته الانتخابية، أنه سيعمل على تأمين أوضاع حمص ودمشق وحلب.
٢- من يتأمل في مواقع „تركيز“ إجرامه منذ شهور يدرك أن هذا ما وضعه له أسياده الذين يخططون لمعركته البائسة اليائسة، فأثناء التركيز على حمص الأبية، لم ينقطع مسلسل إجرام البراميل المتفجرة في كل مكان، ولكن بنسبة تبلغ أضعافا مضاعفة في حلب وريفها وفي غوطة دمشق، علاوة على الغارات الجوية والهجمات المتكررة بالآليات العسكرية.
٣- في هذا الإطار يأتي تسليم داعش لبقايا النظام بعض ما كانت تسيطر عليه في الريف الشرقي لحلب، وفي هذا الإطار أيضا يأتي إصرار بقايا النظام في اتفاق حمص على رفع الحصار عن بعض المناطق الموالية له في ريف حلب (مع أسباب أخرى كتخفيف غضب الموالين له من حرصه على أسرى حلفائه أكثر من الحرص على أتباعه).
. . .
بالمقابل:
١- لا ينبغي بعد حمص استمرار الأخذ والرد دون نهاية بدلا من اتخاذ خطوات عملية، بصدد تنسيق أكبر وأوضح مفعولا بكثير مما مضى، ما بين قيادات الثورة المسلحة على الأرض.
٢- مع استبعاد داعش باعتبارها جزءا من بقايا النظام، ينبغي إيجاد قواعد راسخة للتعامل بين الكتل الكبرى المتباعدة، وعناوينها دون تفصيل: الجبهة الإسلامية، والجيش الحر والأركان ومن تستقطبه، وجبهة النصرة مع ضرورة إعطاء ولائها المطلق للثورة وليس لأي جهة خارجية، وعلى وجه التخصيص القاعدة.
٣- في نهاية المطاف لن ينجو أحد من هذه الجهات الثلاثة ولا سواها، إذا تكرر هذا „السقوط“ فوصل إلى أكناف دمشق وحلب وسواهما بعد حمص، ولن يتوقف حتى عند درعا التي حققت ما حققته من تقدم حتى الآن.
٤- إلى جانب تطهير الصفوف دون تحويل ذلك إلى جريمة بدعوى „مكافحة جريمة“، يجب أن يدرك الجميع بصورة قاطعة، أنه لا يوجد اختلاف بين التجمعات الثورية -وكذلك السياسية- إلا على رؤى تفصيلية مستقبلية، يستحيل جمعها على قاسم مشترك واحد الآن، بينا لا يوجد خلاف جادّ على ما يجب التوافق عليه الآن لمتابعة طريق الثورة، فكل تأخير للتوافق بسبب نقاط الاختلاف على أمور مستقبلية، هو „جريمة“ بحق مسار الثورة.
٥- آن الأوان بعد كل ما سببته الخلافات من دماء وآلام، أن تنخفض كل الرايات إلا راية شعب سورية وإرادة شعب سورية، فجميع تلك الرايات والتسميات، التي يسبب „تنافسها“ تأخير الثورة وارتفاع ثمن النصر، لن يكون للتنافس المشروع بين رؤاها في المستقبل مكان ولا مجال، إلا بعد أن يتم التحرر من الاستبداد الهمجي الفاسد، ولن يتم هذا التحرر دون أن „يتحرر“ جميع الثوار من التعصب لراياتهم المتعددة.. على حساب الثورة.
. . .
سقوط حمص.. حدث كبير.. كبير.. ومؤلم.. مؤلم، ولكنه ليس „ضربة قاضية“ للثورة ولا عقبة كأداء على طريق انتصارها.. ويمكن أن يتحول على أيدي الصادقين إلى مصدر قوة إضافية لمتابعة الطريق حتى النصر، إن صنعوا ما يجب صنعه الآن.
أما من يحتفلون بدخول الأحياء المدمرة بحمص، فهم الغزاة الذين أبى المدنيون من أهلها البقاء فيها لعلمهم أن الغزاة مجرمون لا أمان لهم.. وهؤلاء الغزاة أضافوا لسقوطهم الهمجي من قبل شاهدا آخر.. لو كان يحتاج لمزيد من الشواهد.
عندما سقطت بغداد بيد الغزاة الأمريكيين كان ذلك سقوطا أخلاقيا وحضاريا للغزاة، كما كتب هذا القلم في حينه، إنما كانت توجد أقنعة أخلاقية وحضارية آنذاك، ولم تعد توجد اليوم، فما يصنعه الصراع العالمي على سورية أسقط سائر الأقنعة.. وقد أوشك القلم أن يكتب اليوم أن سقوط حمص هو سقوط أخلاقي وحضاري لبقايا النظام وحلفائه، ولكن ما كانت لهؤلاء أخلاق أو قيمة من القيم الحضارية أصلا، فقد جُبلوا على نهج إبليس، عبر القتل والاعتقال والتعذيب والتشريد والمذابح، منذ استهدافهم مسجد السلطان والمسجد الأموي الدمشقي، إلى استهدافهم رفاق دربهم من مختلف الطوائف بمن فيهم زعماء „حزبهم“ وحتى مذابح جسر الشغور وحماة وسجن تدمر، بل حتى سجن صيدنايا قبل اندلاع الثورة بسنوات. 
لقد أصبح مسلسل الإجرام الهمجي الأسدي المحتضن إيرانيا وروسيا مسلسلا طويلا.. طويلا.. ويجب أن ينقطع. 
لهذا يجب أن تستمر الثورة حتى النصر، وستستمر بإذن الله، وسيتابع الثوار في كل مدينة وقرية من مدن سورية وقراها طريق البذل والعطاء والبطولات، على غرار ما بذله ويبذله أبطال عاصمة الثورة حمص وريفها.
{حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء ولا يردّ بأسنا عن القوم المجرمين }
{والله أشدّ بأسا وأشدّ تنكيلا}
نبيل شبيب

Advertisements

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,303,554 مشاهدة
Books About Syria

Books About SYRIA

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: