تحليلات وتقارير

شارلي و عبدو . . بقلم: محمد حسن كيوان


Untitled26

كان الهجوم على مقر مجلة شارلي ايبدو (Charlie Hebdo و كلمة ايبدو تعني”أسبوعي” بالفرنسية) الساخرة أخطر هجوم إرهابي تعرضت له فرنسا منذ عام 1961 عندما قامت “منظمة الجيش السري” الفرنسية، في إطار صراعها مع نظام الرئيس شارل ديغول حول مسألة الإنسحاب من الجزائر، بتفجير قطار باريس – ستراسبورغ و أسفر الهجوم عن مقتل 28 شخصاً (1).

سارعت وسائل إعلام النظام وصفحات مواقع التواصل الإجتماعي الموالية له إلى التعليق على الحادث المؤسف، و كالعادة، تنوعت تعليقات إعلام النظام و المقربين منه بين شامت بما حدث في باريس، معتبراً أن “فرنسا بدأت تحصد ثمار دعمها للتطرف و للربيع العربي” و بين من حاول تصوير الموقف على أن هذا العمل سيجعل فرنسا تفهم أخيراً أنه لا مناص من دعم نظام بشّار الأسد في حربه الضروس التي يخوضها مع المتطرفين و الظلاميين.

ووفقاً لبيان الحكومة السورية الصادر يوم أمس الخميس فإن ” سوريا قد حذرت مراراً وتكراراً من أخطار دعم الإرهاب لاسيما الذي استهدف سوريا والمنطقة ونبهت بأن هذا الإرهاب سوف يرتد على داعميه وأن الأحداث والتهديدات التي طالت أكثر من مدينة أوروبية تؤكد قصر نظر السياسات الأوروبية ومسؤوليتها عن هذه الأحداث وعن الدماء التي سالت في سوريا” (2).

أما سالم زهران وهو محلل سياسي لبناني مقرب من الحكومة السورية ومن جماعة حزب الله الشيعية اللبنانية المتحالفة معها فقال ” دمشق ترى أن ما حدث في باريس سيعزز الرأي القائل بضرورة التعاون مع الحكومة السورية” (2).

هكذا و بسبب حمية بعض المعلقين في دفاعهم عن حرية التعبير و شجبهم “لأعداء الفكر”، يخال متابع خطاب النظام، أن “سوريا الأسد” كانت و ما زالت صرحاً منيعاً للدفاع عن حرية التعبير و عن الكلمة الحرة، و يتناسى هؤلاء أن سجل نظام “الأبد” في مجال التدمير الممنهج للكلمة الحرة يضاهي سجل القاعدة و أخواتها بل و يتفوق عليه بالسواد.

و بالعودة إلى ربيع و صيف 2011، يمكن لأعداء الحراك الشعبي في سوريا أن يكيلوا شتى التهم للمتظاهرين، و أن يشمئزوا من خروجهم من المساجد بدلاً من ملاعب التنس مثلاً، و أن يشجبوا شعاراتهم و أن يتهموهم بالطائفية و بمهاجمة مؤسسات الدولة. و لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال اتهام المتظاهرين السوريين بالقيام بالهجوم على صحيفة أو مجلة أو أي صرح من صروح حرية التعبير، وذلك، و بكل بساطة، لأن هذه الصروح و المراكز الفكرية تعد في عداد المفقودين في سوريا الأسد منذ أن صدر البلاغ رقم أربعة صبيحة يوم الجمعة المشؤوم الثامن من آذار من سنة 1963. حيث ألغى هذا البلاغ صدور الصحف السورية، باستثناء صحافة البعث ، إلى اشعار آخر.

قصة الصحف مع “الحزب العملاق”

بعد ذلك بأيام قليلة، أصدر ما كان يعرف بمجلس قيادة الثورة المرسوم التشريعي رقم 4 الذي ألغى امتياز الصحف و المطبوعات الدورية وختم وأغلق أماكن طبعها ومنع سماع أي دعوى بالتعويض عن هذا الإلغاء، كذلك صادر هذا المرسوم لمصلحة الخزينة المطابع وآلات الطباعة، ونص على أن يجري بيعها أو توزيعها بين الوزارات والإدارات والمصالح العامة بقرار من مجلس الوزراء، كما نص على أن توضع الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة لأصحاب الصحف الواردة أسماؤهم أو لأزواجهم وأولادهم. شمل هذا القرار أكثر من خمسة عشر صحيفة سورية و منها أكثر الصحف أهمية: الأيام، الرأي العام، المنار، الأخبار….

أتبعت هذه المجزرة بحق الصحافة، بمجزرة أخرى جرى فيها “اغتيال” جمع كبير من الصحفيين السوريين بمنعهم عن العمل ثم ألحق ذلك بقرار آخر يعاقب هؤلاء الصحفيين و يفرض العزل المدني عليهم. شملت قائمة الصحفيين الممنوعين بعض أشهر السوريين الصحفيين السوريين على الإطلاق: نصوح بابيل، أحمد عسة، بشير العوف، عزة حصرية، نصوح دوجي، بسيم مراد، ووديع صيداوي بعض هؤلاء الصحفيين ما يزال على قيد الحياة مثل الصحفي نهاد الغادري.

و يجدر القول أن عدد من الصحفيين المذكورين أعلاه قد أعيد له الاعتبار بعد موته و تمت تسمية مدارس أو منشآت عامة باسمه مثل مدرسة نصوح بابيل و مدرسة عزة الحصرية، و لكن ما الفائدة من ذلك اذا لم يسمح للصحافة بالعمل من جديد و بعد أن قضى كبار الصحفيين السوريين بقية أعمارهم متنقلين في المنافي؟ ما الفائدة من ذلك بعد أن تم اغتيال الصحافة السورية لنصف قرن من الزمان و تم شطب أسماء صحفيين كبار من الذاكرة كأمثال الأستاذ أحمد عسة الذي يقول عنه الراحل صباح قبّاني أنه كان (الأفضل) و(الأجمل) هذا ما كان ينشده في كل عمل نهض به، وفي أية منصب أوكل إليه، أما (العادي) و(الوسط) وأمثالهما فكلمات لم تكن في قاموسه (3). و في وصف جريدة “الرأي العام” التي كان عسة يرأس تحريرها يقول الدكتور صباح قباني:”جريدة (الرأي العام) التي كانت بقطعها الصغير وصفحاتها الأربع إنجازاً متميزاً في الصحافة السورية والعربية. كانت مثل جريدة (لوموند) الفرنسية جريدة رأي يترقبها قراؤها من مثقفين وسياسيين ليتعرفوا من تحليلاتها الدقيقة على معنى الأحداث وإلى أين تتجه بوصلتها” (3). وبالقضاء على هكذا صحف و صحفيين تحولت الصحافة السورية إلى طقوس لعبادة الشخصية. و لفهم فداحة هذه الخسارة الوطنية، يمكن العودة إلى كتاب الدكتور سامي مبيض “حرير و حديد” (4) الذي جمع فيه المؤلف سير أهم الشخصيات السورية في القرن العشرين، فأورد المبيض سيرة 32 صحفياً من الصحفيين الرواد، كلهم تقريباً نشطوا في فترة ماقبل البعث (1963).

أما في زمن ما بعد البعث فقد اقترنت هذه المهنة بأشخاص من قبيل صابر فلحوط… و ليجرب القارئ العزيز مثلاً أن يتذكر أسماء خمسة من الصحفيين السوريين المحترفين العاملين في هذا المجال حالياً، فهل يا ترى يستطيع التذكر! ؟

و استمر مسلسل القمع هذا بالاستمرار بعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة، بل و امتدت أجهزته القمعية لتصل إلى لبنان حيث تم تعذيب و قتل الصحفي اللبناني الشهير سليم اللوزي عام ال1980 و إلى باريس حيث تمت تصفية الأستاذ صلاح الدين البيطار حيث يقال أن مقال صحفي منشور في صحيفة “الاحياء العربي” التي أسسها البيطار في باريس كان وراء البت بقرار تصفيته.

و قد عرفت سورية في زمن ما قبل البعث صُحفاً ساخرة شبيهه بشارلي ايبدو، و لكن حتى الكوميديا الساخرة لم يكتب لها النجاة من مجزرة الصحافة التي قام بها “مجلس الثورة”. كان الصحفي الدمشقي محمّد بسّيم مراد رائداً في فن الصحافة الهزلية . مارس هذا الرجل العمل الصحفي منذ سنة 1922 و قام بتأسيس صحيفتين ساخرتين ( الأولى سماها الخازوق و الثانية المداعب) نالتا شهرة كبيرة في سورية ما قبل البعث. و لكن و بعد “ثورة الحزب العملاق” في الثامن آذار تم عزل الصحفي الساخر مدنياً و سياساً و تم منعه من مزاولة المهنة و إغلاق صحيفته و مصادرة أمواله و أموال زوجته و أولاده المنقولة و غير المنقولة. و في التاريخ السوري أمثلة أخرى مشابهه من النكبات التي أوقعها النظام بالصحف (5).

وعلى أي حال، تبقى مسألة حرية الصحافة الساخرة و غير الساخرة، مسألة كمالية في بلد كسوريا دمرت فيه الحياة السياسية بشكل كامل و تراجعت فيه حتى أعداد المقاهي (و هي التي كانت المكان المفضل للحديث بالسياسة) و أصبح يمكن لشخص أن يقضي 15 سنة في سجن تدمر يواجه الموت فيه عدة مرات، فقط لأنه ألقى نكتة سياسية في جلسة خاصة في باريس (6).

و بالنسبة للباحث الفرنسي ميشيل سورا فإن هذا الممارسات هي جزء من سياسة عامة اتبعها النظام تهدف إلى تركيع المجتمع و حله ضمن هيكلية الدولة الأمنية بحيث تمد هذه الدولة أذرعها الأمنية و الإدارية للسيطرة على كل قطاع من قطاعات هذا المجتمع لتقدم الدولة نفسها بعد ذلك كبديل و ممثل وحيد عن هذا المجتمع. و بهذه الطريقة، يقول سورا، استطاع النظام السوري القضاء على البيئة السياسية عالية النشاط التي عرفتها سورية في الخمسيات، واستبدالها بطقوس طاعة جماعية دورية يؤديها كافة أفراد المجتمع بحيث يتحول الفرد إلى بوق يتم الإشارة له بالصياح و التصفيق عندما يرى النظام أن ذلك مناسباً (7) (8). و في نفس الفقرة من الكتاب، يعدد الكاتب الفرنسي أسماء بعض من الذين قام النظام بتصفيتهم بسبب مقالات كتبوها، دون أن يعلم أنه هو أيضاً سوف ينضم إلى هذه المجموعة رغم أنه كان يكتب باسم مستعار خشية من بطش المخابرات السورية.

الثأر للنبي؟

و بالعودة إلى باريس، قد نختلف أو نتفق مع اتجاه المجلة الساخرة، كما يحق لنا استهجان تعاطيها مع الرموز الدينية وخاصة الإسلامية منها، ولكن تبرير الجريمة بشكل مباشر أو مبطن هو أمر يضاهيها بشاعة. و مراجعة سجل المجلة يثبت أنها لم تتعمد تقصّد الرموز الإسلامية أو المهاجرين العرب بشكل عامد. و قد نشرت المجلة رسوماً عدة تظهر مجازر بشار الأسد في سوريا و الموقف الدولي الصامت إزاءها (الصورة أعلاه أحدى هذه الرسومات و هي مرسومة بقلم الرسام “تيغنوس Tignous ” أحد ضحايا هحوم البارحة) العدد الصادر الأسبوع الماضي كان مخصصاً للسخرية من رواية “خضوع” المثيرة للجدل و التي تتعاطى مع الجاليات المسلمة في فرنسا بخطاب من الإسلاموفوبيا الواضحة.

 لذلك، يمكن لأي سوري عاصر و فهم فصول المأساة التي عاشتها سورية و التي أوصلتها إلى ما هي فيه، أن يعرف بسهولة أنه يقف في صف “شارلي” ضد الجريمة التي ارتكبها بحقه من يزعمون الثأر للنبي . لأن الإرهاب الذي ضرب الصحافة الفرنسية من نفس ملة الإرهاب الأسدي الذي قضى على الصحافة السورية و ذلك حتى و إن اختلفت التسميات و حمل الصحفي الفرنسي اسم “شارلي” بينما حمل نظيره السوري المقتول اسم “عبدو” .

Bibliographie

  1. AFP. Charlie Hebdo : l’attentat le plus meurtrier en France depuis 1961. LesEchos.fr. [En ligne] 8 1 2015. [Citation : 8 1 2015.] http://www.lesechos.fr/politique-societe/societe/0204060229693-charlie-hebdo-lattentat-le-plus-meurtrier-en-france-depuis-1978-1081026.php.

  2. راضي, اعداد أشرف. سوريا تقول إن هجوم باريس يظهر خطر الإسلام المتشدد. رويترز عربي. [En ligne] 8 1 2015. [Citation : 8 1 2015.] http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0KH1M320150108?pageNumber=1&virtualBrandChannel=0.

  3. العجلاني, شمس الدين. أحمد العسه من شيوخ الصحافة السورية…صحفي سياسي محترف طاله مرسوم العزل المدني في الانفصال . الوطن . [En ligne] 09 07 2104. [Citation : 8 1 2015.] http://www.alwatan.sy/view.aspx?id=20350.

  4. Moubayed, Sami. Steel & Silk: Men & Women Who Have Shaped Syria 1900-2000. Seattle : Cune Press, 2005.

  5. العجلاني, شمس الدين. محمد بسيم مراد عاشق الصحافة الهزلية…«المداعب» ونهاية رجل ساخر. الوطن. [En ligne] 09 11 2014. [Citation : 08 1 2015.] http://www.alwatan.sy/view.aspx?id=23117.

  6. خليفة, مصطفى. القوقعة، يوميات متلصص. بيروت: دار الآداب, 2008.

  7. Seurat, Michel. Syrie L’état De Barbarie. Paris : PUF, 2012.

  8. Kienle, Eberhard. Entre jama’a et classe. Le pouvoir politique en Syrie contemporaine . Revue du monde musulman et de la Méditerranée . 1991 , Vol. 59 , N°59-60.

بقلم: محمد حسن كيوان

المصدر: كلنا شركاء

Advertisements

About freedomman1978

Ask for freedom

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

عدد مرات المشاهدة

  • 2,297,429 مشاهدة

منتجات عن الثورة السورية

ادعم العمل الإغاثي في سوريا – من أمريكا

ادعم العمل الاغاثي في سوريا – من بريطانيا

ادعم العمل الإغاثي SyrianAid من أي مكان

ادعم الثورة السورية بشراء منتجات على موقع سوق.كوم – في الإمارات

ساهم في تخفيف معاناة أطفال سوريا المنكوبين والمصابين

ادعم الحراك الثوري السلمي في سوريا – في ألمانيا

الدلـيـل المعيـن في التــعامل مع المحققين

مذكرات شاهد على المعتقل

للتحقق مـن صحــة صور الثورة الســـورية

للتحقق مـن صحـة صور الثورة
%d مدونون معجبون بهذه: